1- المكتشف أثر ضارب في عمق القدم .
2- أمانة التاريخ و صدق التعامل
معه و الدخول اليه عملية تتطلب توخي الحذر .
لهذا نجد ان تبني عملية اظهار
الاثر ، و تبنيه ، و الوقوف على زمانه و تشكيلاته
، و ما ينطوي عليه ، تتطلب تكاتف مؤسسات اكاديمية
، وسلطوية ، أما الفردية ان وجدت كانت قاصرة ،
لكنها بالتأكيد مشكورة ، لتعاطفها مع المؤسسات
المسؤولة في اعطاء البحث اهميته ، معتبرين ان
البوابة للدخول الى حضارة ماهي بقاياها ، وإرثها
الشفاهي ، و ليس هذا فحسب فالعملية تتعدى ذلك الى
ماهو اكثر اشراقاً و تقدمية ، لفهم المعطى الاثري
، فإذا كان هو المفتاح لمعرفة حضارة زائلة ، بنفس
الوقت هو مؤشر عافية لولوج حضارة راهنة من خلال
استنهاض المكتشف او المخبوء للراكد في النفس ، و
تقديم مشروع اولي للقدرة على تشييد جسر بين
الحضارتين احداهما زائلة ، ماثلة بقيمها ، و
مآثرها من خلال ما يتوصل اليه من دراسات و ابحاث ،
و اخرى راهنة او مفترضة تنحو منحى السلف من قراءته
، قراءة صحيحة متمنعة ، بعين الباحث المعتبر (
بكسر الباء )
- كتابه الموسوم بـ ( مدائن
الخابور ... في الحسكة و دير الزور ) الكاتب
الصحفي خليل اقطيني يأخذنا من يدنا بطواعية ، لنقف
بدهشة على أرض تسيد انسانها ، و تعطيه سر عظمته ،
و فتوته ، و تفتحه على الخير ، في سرمدية عطاء ،
تصل بين الماضي السحيق و الحاضر الراهن بتطلعاته ،
و أدبه الدائم في التحسين ، و الخلق ، و التجاوز و
أنت تقرأ هذا الكتاب المتعب ، يتجلى تعب الكاتب هو
يقرؤك كل الاسماء / المدن / الاشخاص و ما ان تعبر
الى صفحة جديدة ، حتى تقفل الى صفحة سبق و قرأتها
، مبتعداً عن الحشو ، و السفسطة ، المجانية و هو
يقرأ لك المكان بشواهده و ترابه و فخاره ، فخاره
فخاره ، كل ذلك يمنح هذه العملية متعة اكثر ،
ومشهدية تصوير ، تجعلك تتوغل في المكان المؤطر او
المتخيل او شبه المتخيل كون الموجودات لا تعطي
المشهدية صورة كاملة بل ضبابية كاملة ، أقرب الى
الحلم اقرب الى الاسطورة و كأنك في سيرك على اي
رقعة ارض تحس انك تطأ رأس ملك او ترقص على انقاض
مملكة او امارة او مدينة كانت حاضرة لاناس ،
يمارسون نشاطهم الحياتي ، تحس بهم تعايشهم هم
يقاسموك الحب ، و القوة ، و الخيرات ، لن تتذمر
اذا اعتبرت المكان بكليته جزءاً منك يهبك روحاً
مقاتلة ، هذه حال سورية و سورية الحضارة المستمرة
ابداً ارث من الامتنان ، للامكنة و الشخوص ألم نقل
ارض تسيد انسانها ؟
كيف الأرض تشكل ذاكرة ،وسيادة
إنسانها ،تشحنه بقوة ،تؤهله لان يقرأ التاريخ ،ويساهم
في صناعته ،متماهياً في جغرافية المكان وطقوسه
والأرض /المكان لم يكن يوماً ميتاً / أو جزءاً
غائباً من مكون الإنسان النفسي .
سئل أحد الخليجيين مرة : (
تشغلون أجانب وعرب عندكم وأقلهم السوريين لماذا؟
أليس الأقربون أولى بالمعروف فأجابه : نحن أسياد
وشيوخ هكذا ترى أنفسنا أماالسوريين هم أسياد
بنظرنا ،ونظر أنفسهم فكيف سيتم التعامل بين رب
العمل ،وبين السيد العامل ؟!)
وإذا خطا الأستاذ خليل اقطيني
ثاني خطواته في مدائن الخابور بعد كتابه الأول (رحلة
في تاريخ حوض الخابور) كمساهمة فاعلة في رصد وتبع
مسيرة أرض هي جزء هام ،تشكل تاريخ وذاكرة وطن
بنهره ،وضفافه الحية بحرص الابن البار الذي تدفعه
محبته الصرفه ،لتسليط الضوء على تاريخ ،وشعب ،وتراب
،وماء ،وعطاء ، متصيداً أغلب المواقع الأثرية بروح
الصحفي المحقق ،والكاتب الذي يهب بارد الأشياء بعض
الدفء ،ليكون منطق العاطفة الحقة قارئ الأثر يهبط
الى دهليز الحضارة /لإشاعة الضوء فيه فهل خالف
اقطيني العادة أم أنه نأى بلغته عن صخرية التعامل
مع الأشياء ؟
- كتاب (مدائن الخابور في الحسكة
ودير الزور) : يتألف من مقدمة وثمانية فصول ،المقدمة
للكاتب نفسه أما الفصول الثمانية سنحاول أن نوجز
منها ماأمكن ،متوزعة على عناوينها .
- الفصل الأول (الخابور مهد
الحضارات ): يتم التعريج فيه على مقومات الحياة
ونشأة المدينة المتجليين في عاملين هما الأرض
الطيبة الخصبة ،والمياه الوفيرة مع اعتبار أبرز
مظاهر المياه والأقدر على بث الروح في حياة الحسكة
قديماً وحاضراً ، كما يتضمن حديثاً عن الحضارات
القديمة المستوطنة حوض الخابور ،ومنها السورباتية
،ثم التحدث عن الخابور وأهميته كونه يقع بين
منطقتين خصبتين من مملكة ماري ،وتعدي أهميته
للجانب الزراعي فقد ساهم في تنشيط التجارة ،والانعاش
الاقتصادي الذي شكل نقمة على أصحابه ،لاستنفاره
طمع المجاورين .فكان الطمع مسوغاً لتعاقب الحضارات
على هذه المنطقة ،على أن نوافق الكاتب ان /حلف /
هي الأزهى بين مثيلاتها لتمثيلها (أرفع مرحلة في
تاريخ الفن الزخرفي في قبل الميلاد ) ذلك في نهاية
الألف الخامسة قبل الميلاد في الفصل كثير من
المستحق ذكره لم نقو على إيراده للصعوبة .
في الفصل الثاني (من الحثيين الى
الرومان) : عن نزول قبائل هندواوربية آريين ،واستقرارهم
في «خطّي» مؤسسين دولة الحثيين ،مستولين على ممالك
السوبارتين ومن ثم سقوطهم سانحين الفرصة لقبائل
أخرى آرية قادمة من الشمال لتأسيس دولة في الجزيرة
السورية ،سميت بالدولة الميتانية والحوريين
ومركزها أربخا أو كركوك العراقية . ثم يظهر الكاتب
اتفاق مصادر تاريخية على أن الفخيرية موقع بالقرب
من رأس العين هي عاصمة «الحوريين» وسميت بـ /واشو
كاني / شرقي - تل حلف - ولم تكشف هذه العاصمة رغم
تعاقب البعثات وبقي السؤال الذي يطرح من قبل
الكاتب الباحث بلا إجابة (هل واشو كاني موجودة في
تل الفخيرية فعلاً؟) غير أن هناك من يناقض أن تكون
«واشوكاني» هي المعنية بل هي(أوركيش ) في موقع تل
موزان .
ثم يعرض الكاتب انشغال الحضارة
الحورية بالزراعة ،وتحقيق رخاء اقتصادي ،وتبيان
الأسباب التي حازت عليها هذه الحضارة كي تكون ذات
شأن عظيم ،ومن ثم اظهار علاقات الحوريين
بالأكاديين السياسية منها والاقتصادية بالاضافة
الى علاقتهم بالمصريين تظهرها الآثار المكتشفة في
تل العمارنة ،وفي اسهابه يقدم صورة عن موقع تل
البديري وأبرز مكتشفاته كما أنه يبين مفارقة عدم
وجود علاقات رغم انحدارهم من عرق واحد (الآري)
الحوريون الذين قدموا من الشمال الشرقي ،والحثيون
الآتين من الشمال الغربي ومحاولات الحثيين القضاء
على الحوريين ،وعند فشلهم لجؤوا الى الفتنة
فاستطاعوا توطيد عرشهم الى نشوب الخلافات بينهم
والمصريين وازدياد أطماعهم في بعض ،فاستغل
الآشوريون الخلافات واستفادوا منها ،وحققوا رجاءهم
الى أن اندثروا (الآشوريين ) في القرن السادس قبل
الميلاد الى دخول الجزيرة في عهد الميديين الى غزو
الفرس الى جيوش اليونان الى أن احتلت في آخر الأمر
من قبل الرومان وتشييد مشاريع هامة ذهبت الى
المياه والأمور العسكرية ..تم هذا على أرض الخابور
.
- الفصل الثالث (وادي الخابور في
العهد العربي): تنازع سيادة وادي الخابور من قبل
الرومان في الجهة الغربية .والشرقية منها للفارسية
،في حين أن بيزنطة كانت هي المسيطرة على الاقليم
الممتد من رأس العين الى الفرات والسهل الى الجنوب
من طور عابدين ،وقد تنبه العرب لأهمية هذه المنطقة
لموقعها الاستراتيجي ،فاحتلت بشكل كامل من قبل
العرب وعلى يد القائد عياض بن غنم في عهد الخليفة
الراشدي عمر بن الخطاب (رضي الله عنه ) ومن المدن
التي طالها الفتح حران - الرقة - نصيبين وقرقيسياء
- وسنجار وآمد ،وطور عابدين ،وحصن ماردين ،ودارا
قردى ،وبازبد ،وآرزن ،ويتطرق الكاتب الى حروب
القبائل في الجزيرة السورية مع بعضها البعض رغم
عربيتها لساناً وعقيدة .ثم رصد هذه المنطقة
تاريخياً الى تاريخ قريب فمع غناها بالماء
والمقومات الاقتصادية وتنوع إمكانياتها لم تلق
العناية الكافية من السلطات إلا بعد 3691 ثورة
الثامن من آذار وبعد تسلم القائد الخالد حافظ
الأسد عام 1970 ممتدة يد الخير اليها ،محققة
إنجازات هامة لها .
- الفصل الرابع (نهر الخابور ) :
يتتبع الكاتب نهر الخابور واقترانه بالجزيرة
ومحافظة الحسكة ويشبههما بـ (التوأمان لايفترقان ،تماماً
توأمين سياميين لايمكن الفصل بينهما) ويبحث في اسم
النهر مستعيناً بمصادر قديمة لتاريخيين بحثوا في
الاسم ومعانيه ،ثم يتفرع النهر الى عناوين فرعية
مثل (ينابيع الخابور وأهمها نبع الكبريت مع
احداثياته وفوائده في شفاء بعض الأمراض الجلدية ،ونبع
الزرقاء ونبع الحصان ونبع البانوس ومجموعة ينابيع
السيارات .ثم ينتقل الى العنوان الفرعي الآخر وهو
روافد النهر شكله وأهميته الاستثمارية من الناحية
الاقتصادية ،وفيه مشروع حوض الخابور الكبير الذي
زودنا الكاتب بمصور له .مبرزاً أهمية هذه الانجاز
على المستويين المحافظة (الحسكة ) وسورية عموماً
.
-الفصل الخامس (مدن الخابور) :
يعدد الكاتب وبشكل توضيحي المدن التي توازعت ضفتي
الخابور وروافده وقد حفل الكتاب بأسماء كثيرة
قديمة لكنها مازالت حاضرة بشيء من الاسهاب
والتفصيل يصعب على المرء تلخيصها وسنذكرها في
عرضنا في الفصلين السابع والثامن .
- الفصل السادس (أم المدن ) :
يقصد الاستاذ خليل اقطيني رأس العين أو تل حلف
قديما ويورد أهمية هذه المدينة (أم المدن)
مستشهداً بعالم الآثار الألماني د. موتكارت : لقد
اتخذت ثلاث مناطق حضارية في بلاد الشام الأدنى
أسماء مواقع أثرية هي : (تل حلف الجزيرة السورية ،وسامراء
في العراق ،وشبه سيالك في ايران » ويعود بنا الى
فصل سابق من حيث استيطان هذه المدينة من قبل
حضارات خلت واستشهد الأستاذ الكاتب بمؤرخين هم : /ياقوت
والاصطخري - والادريسي - وابن حوقل/ حتى أنه في
الوقت الراهن أقيمت متاحف خاصة بـ /تل حلف / أو
أقسام في متاحف منها متحف حلف في برلين وجناح تل
حلف في متحف حلب ،ويصور الكاتب تحت عنوان (المزار
المقدس) دهشته وإحساسه عند زيارته لهذا المكان
ويسأل هل يتساوى إحساسه مع إحساس الكاتبة آجاثا
كريستي التي زارت المكان وكتبت عنه ومنه المقتطف
على غلاف الكتاب الأخير ..
في الفصلين السابع والثامن مدن
الخابور في محافظة دير الزور في السابع منه :(البصيرة
أو قرقيسياء أو كركيس) ،وهي نقطة التقاء الخابور
بالفرات مشكلاً هذا الالتقاء منظراً خلاباً ،عبر
عنه الكاتب بلغة رشيقة ثم الصور ،وتل الشيخ حمد ،الحصين
،وقد جاء على ذكر هذه المدن بشيء من التفصيل أما
في الفصل الثامن يذكر الكاتب مدن الخابور في
محافظة الحسكة وهي : (مركدة - الشدادي - عجاجة -
الحسكة - المجدل - تل تمر ) ومواقع أخرى لم يتطرق
اليها الكاتب لندرة المعلومات المتوافرة عنها .
آخر المطاف
نرى في الكتاب (مدائن الخابور في
الحسكة ودير الزور) الذي عرضناه مدخلاً لقراءة
تاريخ منطقة ،مشكلاً وثيقة تاريخية توفر جهداً على
الدارسين والباحثين ،وترفد ذاكرتنا ،ومكتبتنا ،وإنسانيتنا
،برؤية جديدة ، مشكلة فاتحة شهية للغوص في عوالم
مندرسة ،لبعثها من جديد ،خليل اقطيني يبر بوعده في
عشقه للمكان الذي هو فيه .
،كما يظهر العلاقة التوأمية بين
الخابور ومدنه ،ويبدو من كتابه توأماً ثالثاً
للولدين الجميلين الحسكة - الخابور .
ملاحظة مع اعتذار : عرضنا للكتاب
إذا لم يسيء له ،فإنه بالتأكيد لم يقدمه بالشكل
الذي نطمح له إنها فقط دعوة لقراءة خليل اقطيني في
مدائن الخابور والتحقق وحسب