الغجر.. ركاب الكرة الأرضية

لافا خالد
الغجر يدخلون الجنة"، و :" الغجر يصعدون الى السماء"، وعناوين شديدة الرومانسية التصقت بالغجر .. في سوريا يتوزع الغجر في مختلف المحافظات السورية ولكن تتزايد أعدادهم بشكل ملحوظ في محافظة الحسكة حيث يقارب أعدادهم إلى أكثر من ثلاثة آلاف عائلة غجرية , ظاهريا تراهم يتمركزون في الخيم التي تتوزع على طول الطرقات على امتداد مساحة المحافظة التي تتسع طولا وعرضا , ولكن هذا التوزع ليست بالصورة الحقيقية لأماكن سكناهم , فمعظمهم إن لم نقل كلهم أثرياء ويملكون الشقق الفاخرة في المدن الكبيرة حسب ما يقولونه هم بأنفسهم , وما سكناهم بالخيم إلا لغاية في نفس الغجر , في نفس الوقت حينما يلاحظ المرء حياتهم في تلك الخيم التي تفتقد للشروط الطبيعية الواجب توافرها في السكن الملائم يشعر أنهم يعيشون حياة هامشية تعيش مع الحضارة وعلى هامشها في آن معاً , يصارعون برد الشتاء ويكتوون بحر الصيف،فكل شيء في حياتهم مثير للدهشة ومدعاة للتساؤل حول سر هذا الغموض وهذا النمط من الحياة ، بعضهم فضل المكوث في مكان واحد قانعا بما يناله منه من مال ورزق وآخرون ينتقلون من مكان لآخر حسب الانتعاش الاقتصادي , يرفضون الاندماج مع الآخرين ويرفض الغجري الزواج بغير غجرية والعكس إلا فيما ندر , ، حقيقة هذه الفئة من السكان يثيرون الكثيرة من الأسئلة حول سر هذه الخصوصية في كل ما يتعلق بهم حيث عاداتهم المختلفة وتراثهم وكيف يعيشون ومن أين أتو وما هو موطنهم الأصلي ؟ وفي سوريا ما هي حقوقهم وواجباتهم ؟ والطب الغجري الذي يشتهرون به وخاصة صناعة الأسنان الذهبية والفضية كل ذلك كان مدعاة لنتقصى عن هذه الفئة التي تعيش بيننا ولا نفهم ألغازهم مطلقا في أي شيء ؟ وحينما يسأل الغجري عن الأساطير التي تقال عنه ونمط حياته اليومية يتفنن بسرد الروايات والقصص
فقراء أم أثرياء
كيفو أبو غازي من أشهر الغجر الذي يدير تجمعا من خمسة خيم " بيوت في الهواء الطلق " على طول الطريق الممتدة بين القحطانية ومدينة القامشلي , يعيش حياة الأغوات في خيمته بينما الزوجة والأطفال إلى بيوت الناس يقول: الغجر شأنهم كما كل الناس نسكن في الخيم في أوقات المواسم , وما نقوم به في التردد على البيوت ليس تسولا هو عمل .. وبالتالي هو مصدر رزق لنا وليس كل غجري متسول ويؤكد أبو غازي أن الغجر ناس بسطاء ليسوا أثرياء وليسوا بفقراء هناك من أصبح ثريا وليس الكل , عندما كانت مواسم الحصاد جيدة في الحسكة كنا نعيش حياة أفضل
أما الطبيب الغجري لطيف الذي يشتهر بصناعة الأسنان الفضية وحتى الذهبية لم يوافق أن يكلمنا عن أسرار مهنته وهذا شأن الغجر جميعهم لا يبوحون بأسرارهم أبدا ومنغلقين على بعضهم فقط أضاف أنه صنع أجمل الأسنان الذهبية للكثير من الناس و عرض علينا أسنانا فضية " على حسابنا طبعا
وبالقرب من أبو غازي فرقة الغجر الموسيقية ويستعملون " الكمنجة " آلة خاصة تميزهم " حيث يحيون ليالي السمر بينهم لساعات الصباح الأولى تقول ناري أم فائز : بما أننا نسكن الخيم ولا يوجد كهرباء وتلفزيون ولأننا تعودنا أن نحيي ليالينا بالموسيقا منذ القديم فنحافظ على هذا التراث وتضيف أن ابنها فائز كثيرا ما يذهب لحفلات الأعراس ويقدم وصلة موسيقية صغيرة أمام العروسين ويحصل على مبلغ محترم من المال أما أخوه فيقدم القهوة المرة في الأعراس والمآتم
الغجرية لا تصبح خاتونا
الطفل شيرو ولاوند وإبراهيم الذين تعودت مساجد مدينة القامشلي أن يكونوا على أبوابها خاصة في أيام الجمعة هم أبناء أثرى العائلات الغجرية كما أكد لنا الأستاذ محمود علي أبو شهاب " مدرّس فلسفة " حيث أكد أنهم يسكنون في حارة قريبة من حارته في حيّ قدور بك ويقول : أن التسول هي من خصوصيات الغجر و تعودوا على ذلك لا بل اختاروا هذا النمط من الحياة طواعية وامتهنوا " الشحاذة برضى ذاتي مع أنهم غير محتاجين لذلك " حتى قيلت عنهم النكات ومنها : أن رجلا ثرية تزوج بحسناء غجرية واشترط عليها أن تترك التسول فما كان منها أن مسكت بكيس صغير وتسولت بين غرف شقتها في إشارة إنهم لا يقاومون عدم التسول " ومن هنا المثل الشائع بين أهل الجزيرة أن الغجرية لا تصبح خاتونا وسيدة بيت "وبحسب المصطلح التاريخي فإن كلمة الغجر تعني الاستجداء والتسول ولدهائهم لا يسكنون في تجمع واحد حتى لا يثيروا الشبهات بثرائهم ويحصلوا على استعطاف الناس ويكسبوا المزيد من المال .
في نفس الوقت يشتكي الناس من تزايد ظاهرة تسول الغجر والكثير من الناس يمتعضون أساليبهم تقول السيدة فاطمة أنها تتحمل إزعاجاتهم في الصباح الباكر وفي الظهر حيث الناس كلهم نيام ويدخلون البيوت دونما استئذان ولا يقبلون الخروج إلا بشيء محرز , وكثيرا ما يقوم أطفال الغجر بسرقة البيوت فقبل أشهر سرقوا كل ملابس بيت أخي من سطح منزلهم وشاهدهم بعض الجيران وهم يهربون بالملابس .
ويؤكد الأستاذ عيسى مراد أن من عادة الغجر السكن بجوار المدن وفي ذلك فرصة كسب أكثر من التسول طبعا , وانتقالهم المستمر من مكان لآخر نابع من خلفية الانتعاش الاقتصادي هنا وهناك وتصادفهم بكثرة في الشوارع والبيوت وأمام دور العبادة أينما توجهت في محافظة الحسكة خاصة في فصل الصيف حيث موسم الحصاد لا بل اغتنى الكثيرين منهم وأصبحوا ملاكي أراضي والشقق الفاخرة والمواصلات الحديثة
مواطنون سوريون بامتياز:
من جانبه التقينا بالمحامي حسين لطيف وهو من عائلة " جمو" الغجرية المعروفة : يقول بأن عدم استقرار الغجر في بيئة واحدة أشاع بينهم نسبة أمية كبيرة ولا يكترثون كثيرا بالتعليم نتيجة ترحالهم المستمر ويعملون في الأشغال الحرة , والديانة الأساسية للغجر في سورية هو الإسلام ومعظم الغجر مواطنين سوريين بامتياز يحملون الجنسية السورية وجوازات السفر ويتنقلون بحرية ضمن البلد ومن أكمل تعليمه له الحق في الوظائف والقلة من الغجر لا يحملون الجنسية ومسجلين في السجل المدني على أنهم" أجانب سوريون "
يذكر أن مئات الكتب خصصت للحديث عنهم ، وجميع الوسائل استخدمت لخرق أسرار أصلهم وفك رموز رحيلهم الدائم، وتسلسل اختلاط قبائلهم , بيد أن سر الغجر ما يزال غامضاً، وشعبهم ما زال أكثر الشعوب مدعاة إلى الدهشة في تاريخ البشرية ’ بعض الغجريين يقولون أنهم أولاد قابيل ابن آدم عليه السلام عند قتل أخاه هابيل وكتب عليه الترحال , و ورد في المجلد العاشر من دائرة المعارف الإسلامية بحثا مفصلا عن قبيلة غجرية تعيش على الشاطئ الشرقي لجزيرة مدغشقر باسم أوندزاتسي وتطلق دائرة المعارف على الغجر اسم "الزط" ويذكر الفردوسي أن "بهرام كور" ملك فارس في القرن الخامس الميلادي سأل ملك الهند أن يرسل إليه عشرة آلاف من الرجال والنساء البارعين في العزف على العود. وهذه إشارة صريحة وواضحة إلى المكان الذي نشأوا فيه وهو الهند. وثمة روايات أنهم استقروا في باد فارس ورحلوا من هناك إلى أرض الرافدين ومنها كانت الارتحال الدائم إلى البلاد العربية
ورواية أخرى تؤكد أن هجراتهم بدأت حوالي سنة 1000 ق.م ، فانطلق الغجر من الهند، وتوجهوا نحو آسيا الصغرى . ومن هناك تفرقوا إلى مجموعتين كبيرتين ، انقسمتا إلى فروع متعددة.
اتجهت قافلة جزيرة كريت وبلاد البلقان. وتقدمت أخرى نحو مصر وأفريقيا الشمالية لتصل أخيراً إلى أسبانيا . وتفرع عنها قسم اجتاز شبه الجزيرة الإيطالية ، وعبر منها إلى سويسرا وفرنسا وألمانيا وبلجيكا، ومن هناك إلى انكلترا.
وعن سر التسول في حياتهم يذكر الباحث أحمد حسين حسن، أن للغجر تسميات كثيرة غير تسمية زط، ومن تلك التسميات مكدين أو مجدين، وهي ما يدل على الاستجداء والتسول، كما يطلق عليهم أحيانا اسم الساسانيين، ولكن أشهر أسمائهم "الشحاذون". كما نعرف أن الغجر من الظواهر الاجتماعية المعقدة الضاربة في أغوار الزمان، وأن انتشارهم لم يقتصر على مجتمع دون سواه، فقد كانوا ومازالوا ينتشرون في المجتمعات البشرية المختلفة مختارين طواعية هذا النمط من الحياة.
أما في سوريا : لا يمكن معرفة مدى انتماء الغجر لبيئة بعينها في سورية وكل ذلك لأنهم رسموا ومنذ القديم لأنفسهم نمطا مختلفا عن حياة الآخرين وتقوقعوا على ذاتهم طواعية تختلف طباعهم وعاداتهم معيشتهم وألوان حياتهم بشكل كبير عن حياة الآخرين وما انغلاقهم على أنفسهم وغياب المثقفين والمتعلمين بينهم ممن كان باستطاعتهم تدوين تاريخهم ونتيجة ذلك بقي تاريخهم في سوريا شفهيا وتحاك حوله الكثير من الروايات الخارقة وحتى الأساطير , فقط نذكر بأنهم مواطنون سوريون يتمتعون بجميع حقوق وواجبات المواطن السوري .
حين الحديث عن تاريخ هذه الفئة الكبيرة المتوزعة في أنحاء العالم تكون الإجابات أيضا أكثر صعوبة لتكتمهم الشديد على أسرارهم . ولكن ما يعرف بالتأكيد ، هو أن الغجر في كل مكان يعتبرون أنفسهم «أبناء الرياح ... الشعب المختار وثمة مثل مثل غجري شائع : «إذا قطعت غجرياً إلى عشرة أقسام، فلا تظن أنك قتلته. وإنما أنت في الحقيقة قد صنعت منه عشرة غجريين
