يعيشون و ينامون
على صور الجثث التي تمر عليهم على
مدار الأيام والساعات ، أول من
يكشف حقيقة الوفاة وأسبابها ،
بغيابهم وعدم وجودهم تضيع حقائق
ومعالم الجريمة ، خبرتهم وشهادتهم
أفادت عملهم في كشف الحقائق
والوصول إلى الهدف المنشود ،
يتعرضون لأكبر الضغوط ويعيشون
حالة نفسية يرثى لها بعد كل كشف
طبي على جثة .
اعتادوا على الصمت
، كصمتهم خلال عملهم مع جثث لا
تنطق ، صبروا ، وصبروا ، و لكن "
للصبر حدود " .. وعبر عكس السير
كان " الصراخ " ..
حقوق معدومة ، و الدخل
المادي الضعيف قد يجبره أحيانا
وتحت الضغوط إلى " تحريف الحقائق
"
وقال الدكتور نجيب
كلاوي أخصائي الطب الشرعي بادلب
لـ عكس السير : تم تعيين عدد من
أخصائي الطب الشرعي في مراكز
المدن بالمحافظات و بعض المناطق
فيها بهدف التعاون مع الجهات
القضائية والجنائية من أجل الوصول
إلى الحقيقة المنشودة " .
وعرف الطبيب
الشرعي بالقول " هو الطبيب الحاصل
على شهادة الطب العام ومن ثم
الحصول على شهادة اختصاص الطب
الشرعي لمدة أربع سنوات ، ويتم
تخريج الإخصائيين بعد إتباعهم عدة
دورات في مجال الطب الشرعي ومن
بينها الدورة التي أقيمت في معهد
الطب الشرعي في هامبورغ بألمانيا
" .
وعن معاناة الطبيب
الشرعي في سورية قال " إن الدخل
المادي الضعيف الذي يتلقاه الطبيب
الشرعي قد يجبره أحيانا في نهاية
المطاف وتحت ضغوط معينة إلى تحريف
الحقائق ، وخاصة أن أخصائي الطب
الشرعي يمنع من فتح عيادة خاصة
نتيجة تواجده الدائم وعلى مدار 24
ساعة في مركز الطبابة حيث الراتب
لا يتجاوز راتب الموظف العادي
بعيدا عن معاناة " نبش القبور " و
الإقامة بجانب الجثث وهذا غير
الحالة النفسية التي يعانيها
الطبيب بعدمعاينة كل جثة ".
الطبيب الشرعي .. من
الحلقات القوية في كشف الجريمة
والحلقة الأضعف في باقي الأمور
و تابع الدكتور "
كلاوي " : " إن التنقلات إلى
أماكن وقوع الحادثة أو جريمة
دائما ما تكون على حساب الطبيب
الشرعي الخاص أو مرتبطة بسيارات
وزارة الداخلية ، وأكثر الأحيان
يقع اللوم على الطبيب الشرعي في
حال تأخره عن مكان الحادثة وهذا
ينعكس سلبا على سمعة الطبيب
المشرف على الحادثة دون الأخذ
بالأسباب ".
وأستطرد " الطبيب
الشرعي هو من الحلقات القوية في
كشف الجريمة وهو بنفس الوقت
الحلقة الأضعف من خلال وجود مثل
هذه المعاناة التي هي حقوق واجب
وجودها والطبيب الشرعي مهما كان
فهو مصدر ريبة للبعض والأكثر عرضة
للضغوط و المشاكل " .
وأضاف " ويبقى
الجانب المادي هو الجانب الأكثر
إيلاما للطبيب الشرعي حيث ينظرإلى
أعضاء هيئة الكشف القضائي من خلال
تأمين لهم " سيارة – مصاريف –
سلطة "أما بالنسبة لنا ونحن في
قلب الحدث لا نملك شيء من تلك
الأمور " .
وختم كلاوي
بالقول " أتحدى أي طبيب شرعي إذا
أتيحت له فرصة الهروب من هذا
الوضع المأساوي ألا تراه يهاجر
إلى بلد آخر بحثا عن فرصة عمل
أفضل في هذا المجال " .
الطبيب الشرعي " مهزوم
من الداخل ولا يستطيع أن ينتصر
للحقيقة "
ومن جهته ، قال
الطبيب الشرعي بادلب زاهر حجو لـ
عكس السير " ليس هناك أي مردود
مادي سوى الراتب وبعض الخبرات
التي يحصل عليها بعض الأطباء و
تكون أحيانا حسب الأهواء الشخصية
أو العلاقات الشخصية ، وفي هذه
الحالة لا يستطيع الطبيب الشرعي
المهزوم من داخله أن ينتصر
للحقيقة لأنه مهزوم قبل بداية
المعركة ".
ويرى الدكتور "
حجو " أن أدوات العمل التي يعمل
فيها الطبيب لاتفي بالغرض ، وقال
" في الحقيقة إن الطب الشرعي بشكل
عام بحاجة إلى إجراء اختبار "
DNA " لإثبات النسب أو شخصية
الجثة المجهولة وهذا ما نفتقده
كمهنة الطب الشرعي في سورية " .
و قال الدكتور
محمود مرجان أخصائي الطب الشرعي
في دمشق لـ عكس السير " إن عدد
الأطباء الشرعيين في سورية لا
يتجاوز الـ 100 طبيب ومع ذلك
نعاني من غياب الاهتمام و الحقوق
وكثرة الهجرة من قبل بعض هؤلاء
الأطباء ، فمثلا المكاتب والغرف
التي تحويها مراكز الطبابة الشرعي
لا تحوي غرف خاصة لراحة الطبيب
وهي عبارة عن غرف صغيرة وتجد كل
الأطباء الشرعيين في نفس المركز
لهم غرفة صغيرة واحدة .
135 ليرة .. لاتكفي
وتابع الدكتور "
مرجان " : " يحصل الطبيب الشرعي
على معاينة الجثة خارج المركز أي
في موقع الحادثة على 135 ل.س
معاينة والتي لا تكفي أجرة تكسي
إلى مكان الحادثة بالإضافة إلى
معاينة الجثث التي تأتي إلى مركز
الطبابة مجانا وبدون مقابل ضمن
الدوام الرسمي " .
وأضاف " نتمنى من المسؤولين
النظر إلى هذا المعاناة وإيجاد
لها الحلول لأننا هجرة بعض
الأطباء الشرعيين إلى خارج القطر
نتيجة غياب تلك المطالب و أساسها
" .
الحل .. إحداث هيئة عامة
وقال أخصائي الطب
الشرعي بحمص الدكتور بسام المحمد
نائب رئيس الرابطة السورية للطب
الشرعي في سوريا لـ عكس السير "
إن المعاناة الأساسية للطب الشرعي
في سورية هو عدم وجود هيكلية
نظامية للطب الشرعي بمعنى عدم
وجود لوائح تنظيمية ونظام داخلي
خاص والسبب يعود في ذلك إلى أن
الطب الشرعي يمثل حالة من الضياع
التنظيمي ما بين وزارة العدل
ووزارة الصحة " .
وتابع " الطبيب
الشرعي هو موظف في مديريات الصحة
و يتقاضى أجره منها ولكن لا يقدم
لها أي خدمات مباشرة وفي المقابل
يعمل الطبيب الشرعي في خدمة وزارة
العدل بدون مقابل مادي أو إداري ،
وهذا يعني أن القطاع الصحي لديه
تباطأ في تقديم الدعم للطب الشرعي
وفي نفس الوقت يستفيد من خبرات
الطب الشرعي بدون أي تكاليف عناء
بتثقيف وتقدم الطب الشرعي ".
وأضاف " لذلك لا
القطاع الصحي يطور الطب الشرعي
لأنه لا يستفيد منه ولا وزارة
العدل تطور الطب الشرعي لأنه لا
يلحق بملاكها لذلك الاثنتان لا
يبليان بمعاناة الطبيب الشرعي أو
في تطور الطب الشرعي بشكل عام " .
وأكمل قائلاً "
هذه الحالة السابقة تركت عند
الطبيب الشرعي حالة عدم الاستقرار
المالي أي أن مصادر الدخل الشريف
أصبحت محدودة و مختصرة على الراتب
الشهري والخبرات المختلفة من شخص
لآخر ، وقسم كبير من الأعمال
والمهام التي يقوم بها الطبيب
الشرعي غير مأجورة قانونا ومن
المفترض أن تكون مأجورة لأنه لو
تحقق هذا الأمر لعاد التوازن
المالي وخاصة أن الطبيب الشرعي
خارج مركزه عندما يعاين أي سجين
أو مريض في المشفى يعاينه مجانا
وبدون مقابل " .
وعن الحلول
المقترحة قال الدكتور " المحمد "
: " إن الحل الجوهري في حل هذه
المعاناة هو استقلالية الطب
الشرعي وهذا أفضل للمجتمع وللطب
الشرعي وأفضل إداريا من خلال
التحسن المالي من خلال إحداث هيئة
عامة للطب الشرعي مستقلة " .
يذكر أن عدد
الأطباء الشرعيين في سوريا لا
يتجاوز المئة طبيب ، يعملون في
مراكز الطب الشرعي في سوريا ، وفي
بعض القرى المحيطة بالمدن .