Hun bi xêr hatin malpera  amûdê                         www.amouda.com                            اهلا و سهلا بكم في موقع  عامودة      

 

Medya kurdî

Medya Erebî

Medya Turkî

Medya Farisî

Medya Cîhanî

 

Rûpela Serî

Wêne

Helbest

Rêziman

Navên Kurdî

Navdar

Muzîk

Video

Lîsk

Çîrok

Meselok

Pêkenok

TV

Radio

Lînk

 

 
 

 

 
 

الشيخ توفيق الحسيني

نهر عامودا

(تدوين ما قد اندثر: شخصية ماكوندو الكردية)

 

 

في ذاك العهد الغابر، كان جل الناس في المنطقة يطلقون على الدراجة الهوائية اسم: Hespê Hesinî الحصان الحديدي، وكانت رؤية هذا الحصان الحديدي أمراً نادراً وغير مألوف، إلا أن وافداً من إحدى المدن الكبيرة حضر إلى المنطقة، واستقر في عامودا، معتمداً في معاشه على المورد الذي يأتيه من الحانوت الذي افتتحه على الضفة الغربية لصيانة الدراجات وبيع قطع الغيار؛ ويوماً بعد يوم راجت هذه البدعة، وصار أصحاب اليسار يقتنون الدراجات الجديدة التي يأتي بها هذا الوافد الغريب من مصدر مجهول، وكان أصحاب الدراجات يقصدونه، كلما أصيب الحصان الحديدي بجلل، أو أصاب العطب جزءاً من أجزائه، فيقوم باصلاح الخلل وتبديل القطع المعطوبة، وكذا تغيير الإطارات المطاطية المستهلكة.

في تلك الأيام عرفتُ رجلاً شديد الشغف بالأحصنة الحديدية، هذا الشغف الذي يصل إلى درجة التدله والهيام.. لقد كانت الدراجة جزءاً مهماً من حياته.. إنها كطعامه وشرابه.. كان يجيء إلى عامودا من مسافة عشرات الفراسخ، ممتطياً دراجته.. يأتي إلينا، ويمكث بيننا أياماً، يتردد في أثنائها إلى "العجلاتي"، يغير في حصانه الحديدي ماهو بحاجة إلى التغيير، وما هو بغير حاجة إلى التغيير، أو يضيف إليه مرآة أو مصباحاً أو شيئاً آخر للزينة دلالة على البذخ والرفاهية أو أشياء أخرى يشاؤها متكبداً في سبيلها أموالاً باهظة، فإذا قفل راجعاً إلى موطنه وشرع يعرض دراجته المطهمة على مواطنيه القرويين، مثيراً اعجابهم، مضرماً في أحشائهم نيران الحسد والتحسر.. ولايكاد يمضي الشهر أو الشهران حتى يطل علينا، ويبدأ في زيارة العجلاتي ويساومه على استبدال دراجته القديمة بأخرى جديدة، لاتزال مغطسة في "الشحم"، وبين كر وفر، تتم الصفقة، بعد أن يقبض من البائع نقوداً إضافية، حسب رغبته، فيخرج من المحل، وقد نال مبتغاه. وظل ذلك ديدنه على مرّ أعوام كثيرة.

كان صاحبنا هذا إذا حصد الحاصدون زرعهم وجنوا غلالهم وباعوها وقبضوا أثمانها، دس رزمة سميكة من الأوراق النقدية في أحد جيوبه الداخلية، وطفق ينفق منها مايقوم بأود أسرته الكبيرة، مقتراً في الإنفاق تقتيراً شديداً، مبدياً عن شح وبخل لامثيل لهما، أما حين يكون الأمر متعلقاً بأمر إحدى هواياته أو نزواته ونزعاته، فليس بذل الأموال وتبديدها والمغالاة في انفاقها وتبذيرها من الأمور التي يأبه بها قليلاً أو كثيراً.. كان إلى هذا وذاك يدمن التدخين، ولايدخن إلا التبغ الجيد واللفافات الفاخرة والسيجار الكوبي أحياناً، ولايقتصر تدخينه على صنف معين، أو لون محدد، وإذا ابتاع شيئاً من ذلك فإنما يبتاع عدة أصناف دَفْعة واحدة، يدسها في جيوب معطفه أو بين طيات مآزره وقمصانه، فإن الثياب التي يتزر بها أو يتدثر بها كثيرة، يرتديها طباقاً إزاراً فوق إزار ومعطفاً فوق معطف، ويرتدي السراويل "البنطلون" تحت جلابيبه، لايهمه تنافر ألوانها أو اختلاف مقاييسها أو تباين أنماطها وطرازها، وليس يعنيه أن تكون شرقية أو غربية، إنه يرتدي كل رداء يقع تحت يده، ولايضيره إن كان الرداء ضيقاً زنقاً، ولابأس إن كان واسعاً فضفاضاً.. وليس من حرج إن كان ثقيلاً صفيقاً أو خفيفاً ورقيقاً.. ثم هو يدأب على ارتداء هذه المطارف في صيفه القائظ وشتائه البارد القارس، وإن سألته عن جدوى هذا الاسراف في لبس هذا الركام من الملابس، لقال لك ارتجالاً: "إنها تجلب لي الدفء في أيام البرد والزمهرير، وتحجب عن جسمي حرارة الشمس والهجير، وتمنحني النشاط والحيوية في كل الشهور والفصول".

كان وجهه مكسواً بشوارب ولحية كثة مخضبة بالحناء أو "الورس"، الذي يجلبه من البراري.. يضع على رأسه عقالاً فوق منديل "كوفية" مرقط بالأسود والأبيض، أو الأبيض والأحمر.. يتختم بخاتم أو خاتمين من الفضة أو النحاس الأصفر "البرونز" في أنامل كلتا يديه.

حين كثرت مقتنياته مما يشتري أو مما يغتنمه بوسيلة من الوسائل، اقتطع إحدى الغرف من داره الواسعة.. غرفة كانت فيما مضى من الزمن زريبة أو حظيرة دواب، وعلى الأرجح كانت إسطبلاً لبغلته الشموس التي شردت، ولم يستطع العثور عليها، ولايزال حتى الآن يذكر محاسنها، فهو لاينسى صلابة حوافرها وبأسها في الرفس، وذيلها الذي يصلح شعره الطويل أوتاراً للآلات الموسيقية، ولاسيما الربابة.

ثم أنه جعل هذه الغرفة بمثابة مستودع أو متحف صغير يخبيء فيه نفائسه وذخائره الثمينة وممتلكاته النادرة وأشياء أخرى لاتعد ولاتحصى، ولاتقع تحت حصر من سقط المتاع والنفايات مما لانفع فيه. يوصد عليها الباب ويحكم اغلاقه بأقفال ثقيلة، ولايأذن لأحد بالدنو من حرمه.. وعلى بعد خطوات قليلة نبتت شجرة توت.. انتصبت وتفرعت أفنانها وصارت دوحة باسقة، ولكنه لم يدعها وشأنها.. أرهقها بأعباء باهظة وأجرام غريبة لاشأن لها للشجرة بها من قريب أو بعيد، إذ شدَّ إلى كل غصن علبة أو علبتين من علب السردين الفارغة أو جلجلاً مما يوضع في أعناق الماشية أو جرساً صغيراً أو فردة حذاء أو قطعة معدنية أو قضيباً من نحاس أو شظية من إناء خزفي أو سلكاً من الألمنيوم أو نتفة من الزجاج أو أي شيء آخر يدخل في عالم المحسوسات، حتى أضحت هذه الأيكة الوارفة الظلال آلة موسيقية عملاقة وعجيبة، إذا هبت عليها الأنسام أو عصفت بها الريح تحركت أغصانها واصطكت علب الصفيح ببعضها البعض أو بالقضبان الحديدية، واهتزت الجلاجل وتحركت النواقيس والأجراس الصغيرة، فنشأت عن هذا التصادم أخلاط من الصليل والزعيق، وأمشاج من الأصوات الصاخبة المرنة والخافتة، وانتشر في الجو أزيز وهدير ودويّ أو جِرْس أبح أجش، ثم تألفت من كل ذلك ألحان وأنغام وايقاع لاهوية لها في عالم الطرب أو الموسيقى.

لم يكن يرتاح إلى هذا اللحن العبقري الذي تعزفه الريح، ولايأنس به سوى صاحب الشجرة، فيهتز طرباً، وتُفْعَمُ أحناؤه بالنشوة والحبور، وهو قابع في صومعته "المتحف"، يصغي باهتمام شديد متهلل الوجه منشرح القسمات باشاً هاشاً، وتتسع ابتسامته حتى تستغرق ساحة المحيا كلها.. إنها الابتسامة التي يخمد توهجها ولا يخمد بريقها مادامت الشجرة تعزف ألحانها الشجية.

حول هذه الشجرة ومن كل جهاتها ألقيت ـ اعتباطاً ـ أشياء كثيرة في غاية الثقل والضخامة والغرابة، ليس للقرويين بها عهد أو معرفة، فهناك سلسلة "زنجير" دبابة معطوبة، وأحجار رحى عظيمة كانت في غابر أيامها تطحن الحبوب في طاحونة تُدار بوساطة شلال مائي.. وهناك صخرة ضخمة وقضبان حديدية هائلة الأحجام من تلك القضبان التي تسير عليها القطارات وهيكل محرك كبير جداً لم يعد صالحاً للعمل وجمادات أخرى غير هذا وذاك، وكلها ليس لها تاريخ أو لها تاريخ مجهول، فما يدري أحد من أين جلبت، ومتى جيء بها، ولأي غرض ستستخدم، وما جدواها؟

غرفة المتحف ليست رحبة جداً، وليست ضيقة جداً.. إنها بَيْنَ بين، وهي معتمة في الداخل قليلاً، لايخترقها ضوء النهار إلا من كوى صغيرة لاتسمح بمرور كثير من النور، كما لايأذن صاحبها للأغيار بدخولها إلا نادراً جداً، فكأنه والغرفة صنوان في الحرص، متعاونان على كتمان مايدخران من أسرار، وما يخفيان من كنوز عن أعين الحساد والطامعين.

عند حلول فصل الصيف، يقضي كل أوقاته أو جلها في مطاردة الحشرات والهوام، تراه رائحاً غادياً وفي يده عبوة من الصفيح تحتوي على مبيد كيميائي لمكافحة الحشرات الزاحفة، لأن المتحف المغلق المعتم قليلاً لايخلو من الصراصير والنمل والعقارب والأفاعي وغيرها من الحشرات المؤذية.. يرش الفجوات والجحور والشقوق وبيوت العناكب ومساكن النمل بهذا المبيد أو ذاك، غير عابيء برائحته النفاذة الخانقة.. وفي هذه الحجرة التي كانت في يوم من الأيام مأوىً لبغلته الآبقة، يضع عدة نومه من فراش ولحاف ووسائد، يأوي إليها، كلما أحس حاجة إلى النوم أو الراحة والاستجمام أو كلما كده جهد النار من جراء جريه في بيادر القرية وحقولها القريبة، وفيها يمضي أشهر الصيف القائظ برمته.

أما في فصول البرد وهطول الثلج وانهمار المطر، فيرقد على سرير حديدي وضع تحت الشجرة الموسيقية، وعلى السرير حشية للوقاية من البلل والرطوبة والبرد، حتى إذا انصرم الشتاء بجحافل زمهريره وقوّض اطنابه وطُوي بساط البرد وقدم الصيف بقيظه وحره، عاد إلى حجرته المغلقة العابقة برائحة المساحيق السامة، يبيت فيها ليله وهزيعاً من نهاره.

أسافين ومسامير وأوتاد غرزت في الجدارن اعتباطاً جزافاً، علقت عليها حطام من النصال والمدى والسكاكين.. سيف قديم مثلم.. خناجر صدئة وأخرى مازالت لامعة ذوات مقابض نحاسية أو عاجية أو مطرزة بأسلاك الفضة.. مخالب طيور كاسرة، براثن سباع وحيوانات مفترسة.. ريش زاهي الألوان، انتزع من ذيل طاووس أو مقادمه.. بقايا من بندقية صيد أو بندقية حربية، من طراز "ماوزرت".. رقائق من القصدير اللامع، أشلاء من ضبع.. قطعة من جلد تمساح.. شظية قنبلة.. غلاف مقذوف من الرصاص.. أقفال محطمة ومفاتيح كبيرة من الخشب أو المعدن وأشياء وأشياء كثيرة مجهولة الأسماء، غريبة الأشكال.. وعلى الأرض تبعثرت أشياء كثيرة أيضاً، ليس لها شكل محدد أو صفة معينة وليست لها أسماء..

وفي ركن من أركان هذه الغرفة، تجد تماثيل صغيرة من الحجر أو الرخام أو الصلصال.. أحذية.. أحزمة جلدية عريضة.. كؤوساً متصدعة من الزجاج.. قدوراً خزفية أو نحاسية.. أباريق.. أشكالاً من الفخار.. قوارير ذوات أشكال شاذة.. قبعات أوربية.. مزقاً من نسيج مطرز.. معاطف منزوعة الأكمام.. رؤوس أرانب محنطة.. جلد ذئب.. براثن كلب من كلاب الصيد.. ضفدعة غريبة كمومياء محنطة.. أنياب أفعى أو أنياب حيوانات مفترسة.. ذيلاً أو ذيلين من ذيول بنات آوى.. ذيل سنجاب أو ثعلب.. وفي صدوع الجدران وفي الوكنات أو بين لبنة وأخرى خبئت أختام حجرية ومنمنمات من الجزع المثقب، بعدما صارت في لفائف من الخرق، وحبات سبحة خشبية وخرز من العقيق والمرجان.

إن الأشياء التي لم تخبأ في شقوق أو جحور طرحت على الأرض في حالة مريعة من الفوضى والاهمال والتبعثر، لكن صاحبها يعرفها شكلاً ومضموناً، ويحفظ أسماءها عن ظهر قلب، وماليس له اسم يقترح له اسماً.. يعلم أماكنها ومواقعها وتاريخ اقتنائها، ومن أين حصل عليها، وكيف اغتنمها، فإذا تحركت قطعة من مكانها أو تزعزعت، أدرك في الحال أن يداً مستها أو عبث بها عابث، فيظل يومه ناقماً ساخطاً شاتماً.

في هذه الغرفة الفواحة بكل الروائح من نفحات الرطوبة والعفونة وبقايا العقاقير والعظام النخرة، يتناول وجبته الشهية المفضلة في أكثر الأيام.

كان معتاداً على جلب دجاجة من دجاج القرية.. ينحرها وينتف ريشها، وينتزع أحشاءها، ثم يوثق سائر الدجاجة بحبل مشدود إلى السقف.. ومتى أيقن أن الدجاجة صارت في أمان من الضواري، بعيدة عن التناول، أوقد ناراً هادئة في جذور نباتات يابسة، وشوى على حرّها الرأس والأحشاء، ثم شرع يأكل متلذذاً بما تهيأ له من طعام شهي، ومتى نال وطره، خرج وعلى فمه آثار الدسم.. متهللاً مبتهجاً، وبيده عود يتخلل بها أسنانه..

لقد امتلأت معدته وأتخمت الآن بما أكل من صنوف اللحم.. لحم الرأس والحويصلة والكبد ونتفاً من الأمعاء، فهو شديد التوق إلى كأس من الشاي الساخن، وعليه أن يغدو إلى البيت، يشارك أهله احتساء هذا الشراب الذي أدمن عليه، ولكي لايُحال بينه وبين شرب الشاي، فقد كان يدّخر في جيبه مقداراً من السكر الدقيق بلونه الأبيض المشوب بالحمرة ضمن كيس صغير أعده لهذه الغاية، لأن السكر كان يقسم بين أفراد الأسرة بمقادير معينة، أما الشاي فكان مشاعاً لكل منهم حصة ونصيب من غير تحديد.

وفي اليوم القابل يتسلل بحذر وهدوء إلى صومعته، يتناول مديته ويجز أحد الجناحين من الدجاجة المحلقة في فضاء الغرفة، ثم يأتي بعيدان يابسة يوقدها ويشوي عليها وجبته، ثم يعود إلى صنيعه كاليوم السالف يأكل ويتلمظ وينكش مابين أسنانه وينطلق لشرب الشاي بين أولاده وزوجاته.

الأيام تمضي، وبقايا الدجاجة معلقة بين الأرض والسماء في الجو المشحون بالروائح الغريبة.. وفي كل يوم ينقضّ على شلوٍ من أشلائها، وسرعان مايسري فيها الفساد، فينتن اللحم ويزنخ في بيئة مغلقة ذات حرارة عالية، لكنه لايشعر بما يطرأ على طعامه ولايعبأ برائحة أو مذاق، ويواظب على تناول شوائه بمزيد من الاشتهاء؛ قد يمضي الشهر بأيامه الثلاثين قبل أن ينفد هذا الزاد "الغريض" الذي أشبع زنخاً وعلقت به روائح المبيدات وذرات الغبار الآتي من خصاص الباب وصدوع الجدران وما يتناثر من السقف الذي تقطنه العناكب وتغطيه بنسيجها.

كان كثير التجوال في القفار.. يسرح على ضفاف الأنهار، يجوب الحقول شاكي السلاح مدججاً ببندقية صيد ومدية وحربة وخنجر وما شابه ذلك من صنوف الأسلحة، حتى أنه لم ينسَ أن يحمل مقلاعاً أو "نقّافةً"، فإذا اقتنص أو اصطاد كائناً نهرياً أو برياً كسمك وضب أو ضفدع أو ثعبان أو يربوع، انتبذ مكاناً وخلا إلى صيده وشواه، ثم تهيأ للمائدة وأكل حتى يتجشأ.. إنه اجتماعي بطبعه، ولكنه عند حضور الطعام، يميل إلى العزلة والتفرد.. ولاغرو إن هو ذكّرنا بذاك الرجل الذي أعدت له زوجته طعاماً شهياً، وبعد أن وضعت القِدْر بين يديه، وتذوّق مافيها، سألته زوجته:

ـ كيف وجدتَ الطبيخ؟

قال:

ـ إنه شهي لذيذ، لولا هذا الزحام.

فقالت الزوجة مندهشة:

ـ ها نحن وحدنا، وليس معنا أحد، فأين الزحام؟!

قال:

ـ كنتُ أتمنى أن أكون والقِدْرَ.

حين يجلس بين افراد أسرته في دار إحدى زوجاته، يحدق به أبناؤه، وكلهم صغار لم يبلغوا سن الرشد، ويحدقون فيه. ومتى طفق يدخن رنوا بإمعان إلى اللفافة التي تحترق بين أنامله ببطء وتريث وتابعوا بنظراتهم الدخانَ الذي ينفثه من خياشيمه ومن بين شفتيه.. الذي يصعد قليلاً إلى الأعلى، ويتبدد بين الهواء، وهم متربصون مترصدون وقد نفد صبرهم لبقية اللفافة التي سيطرحها بعد وقت قصير.. يتلهفون إلى ساعة القائها، ليفوز بها أقربهم إلى موقع سقوطها على الأرض، ولكي لايؤثر أحدهم على الآخر ويحكم بينهم بالقسطاط ويفشي شرعة المساواة، فقد كان يلقي بأعقاب سجائره في وسط الحشد المترقب، ويقول باستعلاء لايخلو من الحنان:

ـ هلموا..

وكان يفوز بها أسرعهم حركة وتوثباً وأكثرهم استبسالاً.. أما الذين يخيب فألهم ويخفقون في الحصول عليها، فكانوا يصبرون على مضض إلى أن يشعل والدهم لفافة أخرى وينتظرون سقوطها، ليهرعوا إليها متهافتين مستميتين للفوز بها.

بعد حين من الدهر، عرف الناس ضرباً آخر من الدراجات الآلية النارية التي تدير المحركات، فهام بها صاحبنا وجداً، واقتنى منها ماشاء أن يقتني، ثم كانت القطيعة بينه وبين الأحصنة الحديدية.. لكن هذا الضرب من الدراجات النارية كان سريع العطب قابلاً للتلف في كل لحظة، ثم أنه يقتضي صيانة مستمرة واصلاحاً دائماً..  ـ لذلك ـ كان كلما يئس من اصلاحها أو تبرم منها من كثرة ماينفق عليها من مال، طرحها إلى جانب صومعته وابتاع أخرى جديدة، وفي مدى أعوام ضاق المكان بأعدادها، فخطرت له فكرة غريبة للابقاء عليها والحفاظ عليها في الخلاء.. فغرزها في الأرض حول سريره الحديدي وشجرته الموسيقية.

كان المشهد ملفتاً للأنظار، ولاسيما لعابري السبيل والوافدين الغرباء، يشد انتباه الزائرين للقرية ويغريهم بالاقتراب، ويثير فضولهم.. هياكل دراجات تحيط بشجرة ازدانت أغصانها بقطع مختلفة من المعادن.. سرير حديدي ألقيت فيما حوله الدنان والجرار والأواني الفخارية والأباريق النحاسية والسلاسل الحديدية، ولكل هذه الأشياء أو معظمها ثمن يمكن الانتفاع به لو تم بيعها، ولكنه يرفض المساومة عليها، ويأبى أن يبيعها لأي سبب من الأسباب، حتى أنه كان يكره أن يسمع عن ذلك شيئاً، لأن ذكريات عطرة تشده إلى كل هذه القطع، وله وشائج بكل دراجة، فإذا تجرأ أحد أبنائه واقترح أن يبيعها ويقبض عنها مبلغاً من المال يصلح به بعض أحواله، ويتخلص من تبعاتها ويتجنب هدر ماله دون مبرر، ولايدعها تتعرض للتلف، توفز وتوثب، وقال معاتباً ومؤنباً في امتعاض شديد مستاء مما يقترحون عليه:

ـ ياللحمقى.. ماأشد غباءكم.. وماأجهلكم بأحوال الدنيا.. تنصحونني وكأنني ابنكم، وكأنكم آبائي وأوليائي أو أوصياء عليَّ، وماعليَّ إلا الاذعان لآرائكم السديدة.. اعلموا أيها الأغبياء.. إن أنا أفرطتُ فيها وتركتها تخرج من حيازتي، فمن أين أستطيع أن أحظى بمثيلاتها؟! أتستطيعون بسوء تفكيركم وخطل فهمكم أن تجلبوا لي عنها عوضاً؟ أياكم والعودة إلى مثل هذا الحديث.

بهذا الرد الموجز يفحمهم، ويقطع دابر الحديث ويختم كل نقاش، فيصمتون ويتبادلون نظرات الحيرة والدهشة، وقد قنطوا من استمالة والدهم واقناعه.. ثم لايعودون إلى هذا المطلب إلا بعد أمد طويل، وقد استعادوا الأمل في اغرائه، فلعله قد أدرك أن أولاده كانوا على صواب.

كثيرون هم الذين يقصدونه، يساومونه ويعرضون عليه الأسعار المجزية لهذه الدراجات النارية الغالية الثمن التي يضحي بها بهذا الشكل المزري، فكان يزجرهم ويهزأ بهم بينه وبين نفسه، فيرجعون منقلبين على أعقابهم، يمض الألم قلوبهم، مشفقين على هذا الرجل الذي يهدر ماله من غير وجه حق، ويتعجبون من شأنه وطريقة تفكيره.

 

* فصل من مخطوطة معدة للنشر، بالعنوان ذاته.

** الشيخ توفيق الحسيني: كاتب كردي، له أكثر من أربعين كتاباً مطبوعاً، بين التأليف والترجمة والاعداد. مقيم في سوريا.

 

 

 

 

 

الصفحة الرئيسية

إجعلنا صفحتك الرئيسية

أضفنا للمفضلة

عاموديات

موسيقى

فيديو

الحوارات

المشاهير

حكم والامثال

نكت

عجائب الدنيا السبعة

عجائب و غرائب

ترجمة فورية

الطقس في قامشلي 

عدد سكان العالم

اكواد الجافا

شوف عامودة من الفضاء

Webstats4U - Free web site statistics