|
أكراد العراق تاريخ
ثورات وخيبات... وإلى أين ؟
عناصر من "البشمركة":
البحث الدائم عن الهوية.(ا. ف. ب)
عائلة كردية: المشهد
ليس جديداً.(رويترز)
نسوة كرديات: ابتسامة
النصر اخيراً.(ا ب)
كتب ابرهيم بيرم:
يطلق الكاتب المصري المعروف
فهمي هويدي، صفة "شعب الله المختار" على الاكراد عموماً،
بالتحديد أكراد العراق، فالثابت ان ما من قومية عانت
التهجير والتنكيل والحروب في داخلها ومع محيطها مثل
الاكراد، وهم في رحلة بحث فاشلة ودامية عن بقعة ارض
يسمونها وطناً لهم. حتى ان الكاتب جوناثان راندل في كتابه
عن الاكراد والمعنون "أمّة في شقاق" قال عنهم "انهم من
الشعوب المهزومة في استمرار عبر التاريخ". ولعل شغفهم
وجموحهم الدائم لهذا الوطن هما اللذان دفعاهم الى قدرهم
المأسوي، وأجبراهم، قناعة او قسراً، على تغيير تحالفاتهم
وولآتهم، والاحضان التي لجأوا اليها على امل العثور على
ضالتهم المنشودة. فقبل الولايات المتحدة الاميركية، التي
وضعوا انفسهم وطاقاتهم واحلامهم لديها أخيراً وانضووا تحت
لوائها في حربها على النظام العراقي، راوحت رهاناتهم بين
اقصى الشرق والغرب: فهم حلفاء الاتحاد السوفياتي في السابق،
إبان عز نهوضه وسعيه للتمدد وجبه خصمه اللدود، وهم حلفاء
ايران الشاهنشاهية، في ذروة الصراع على الخليج بينها وبين
نظام صدام حسين، وهم او بعضهم أيضاً على علاقة وثقى معها
في ظل النظام الاسلامي، ولم يتورعوا يوماً عن الكشف انهم
مدّوا جسور علاقات خفية مع اسرائيل، وهم في الوقت عينه على
تناقض وصراع واتفاق مع تركيا، ودوماً على علاقة وثيقة
بالمانيا، مردها الى الجذر الآري الذي يجمع الألمان
والاكراد واقواماً اخرى، وفق بعض الروايات التاريخية. وهم
في بعض الحقب يبدون اعجابهم بجمال عبد الناصر لأنه صرّح
مراراً بأن الاكراد والعرب أخوة، وانه يتعين حل قضيتهم
ومنحهم حقوقهم القومية. ودائماً كانوا يعودون من هذه
الرحلات بالخيبة المرة، الى درجة ان ابرز مثل يرددونه في
احاديثهم هو ان "لا اصدقاء للكرد سوى الجبال"، وان "كردستان
هي ارض الالف ثورة والألف حسرة".
القومية الرابعة
الاكراد، وفق معظم الاحصاءات،
هم القومية الرابعة في الشرق الاوسط، وهم 15 في المئة من
مجموع سكان هذه المنطقة، اذ يقدر عددهم بنحو 25 مليون نسمة،
اي 20 بالمئة من سكان تركيا، فالاحصاءات التي يعتمدونها
ترفع عددهم فيها الى نحو 13 مليون نسمة، وهم وفق تقديراتهم
نحو 23 في المئة من مجمل سكان العراق، اي ما يقدر بنحو 7
ملايين نسمة. ويقل هذا العدد عن عددهم في ايران بنحو مليون
نسمة. اي ان نسبتهم هي نحو 10 في المئة من مجمل سكان هذا
البلد. وفي سوريا يقدرون عديدهم بنحو مليون ونصف المليون
شخص، الى جاليات تقدر بمئات الالاف في اذربيجان وسواها من
دول آسيا السوفياتية سابقاً...
تلك هي الاحصاءات التقريبية
لعديد الاكراد ولنسب وجودهم في كل هذه الدول، ولكن ثمة
امراً آخر يزيد من مرارتهم وخيبتهم. فهم يعلمون بأن مساحة
البقعة الجغرافية التي يقيمون عليها والموزعة بين العراق
وتركيا وايران، والتي يصرون على تسميتها بكردستان، تبلغ
نحو 320 الف كيلو متر، اي ما يوازي تقريباً مساحة فرنسا
ودول اخرى تعد من الدول الكبيرة المساحة نسبياً، وان
كردستان العراق وحدها تمثل نحو ربع مساحة العراق.
ورغم كل هذه المعطيات والوقائع
البشرية والجغرافية، فان التاريخ الحديث لا يشهد اطلاقاً،
على انه كان لهذه القومية كيان مستقل. فحتى انهيار
الامبراطورية العثمانية "كانت كردستان، منطقة جبلية مهمشة"
وفق ما يقول راندل في كتابه. فالواضح انهم، وهم رازحون تحت
وطأة امبراطورية كبرى بحجم الامبراطورية العثمانية، وتحت
حكم دولة كان لها دوماً مكانتها المميزة، لم يكونوا في
وارد التفكير في الحصول على كيان خاص بهم، لكن ثمة من يؤكد
ان تفكير الاكراد بدولة خاصة بدأ منذ القرن التاسع عشر،
وقد نفذوا لذلك سلسلة انتفاضات أبرزها انتفاضة العام 1880
التي قادها الشيخ عبدالله النهري، الذي رفع، للمرة الاولى،
مبدأ الدعوة الى توحيد الاكراد واستقلالهم.
لكن الثابت ان هذه الاحلام
انتصبت في اذهانهم وراودت عقولهم، بعد انهيار الامبراطورية
العثمانية في نهاية الحرب الكونية الاولى في عام ،1920
وبعد الضعف الذي اعترى الدولة الفارسية في نهاية الحري
الكونية الثانية، ودخول السوفيات والانكليز الى اجزاء منها،
وتحولها ميداناً للتجاذب بين الكتلتين الشرقية والغربية،
قبل ان تنهض مجدداً في نهاية عقد الاربعينات.
مختلفون حضارياً
الواضح ان هذا الواقع التاريخي
الذي غيب عن الاكراد كل تفكير في الاستقلال في بقعة ما، هو
احد العوامل الرئيسية في ضعف تاريخهم، اذ يقول راندل: "ليس
لدى الاكراد ميل ايديولوجي الى تمجيد تراثهم على غرار ما
تفعله شعوب اخرى في الشرق الاوسط بتبجيل ماضيها سواء كان
حقيقة أم وهماً".
ويضيف: "ان جذور الثقافة
الكردية لا تعود الى نصوص قديمة، كما هي الحال بالنسبة الى
سائر شعوب المنطقة واثنياتها. كذلك ليس لدى الاكراد
التراكم الحضاري الذي تزخر به الثقافتان الفارسية
والتركية".
ومهما يكن من امر هذا
الاستنتاج التاريخي الذي لا يعجب ، ابداً الاكراد الذي
يتحدثون عن جذور سحيقة لتراث ثقافي يمتلكونه ولدور ريادي
اضطلعوا به في حقبات معينة من تاريخ المنطقة العربية
والاسلامية، ملمحين بذلك الى دور القائد الاسلامي الشهير
صلاح الدين الايوبي ذي الجذور الكردية الواضحة، فالثابت ان
السعي الكردي الى الاستقلال والعيش في كيان موحّد لهم بدأ
مع مطلع نهاية عشرينات القرن الماضي، اذ ان وعيهم القومي
قد بدأ بالتفتح وبالتبلور والظهور التدريجي لحظة رؤيتهم
للدول المنتصرة في الحرب الكونية الاولى تضع يدها على
المنطقة وتعيد تقسيمها وفرزها كيانات ودولاً بموجب اتفاق
سايكس بيكو، ومن ثم معاهدة سيفر بين الحلفاء وتركيا
الاتاتوركية عام ،1922 وقبلهما معاهدة سان ريمو.
ويقول الاكراد في ادبياتهم
انهم في حقبة الفرز والضمّ تلك لدول المنطقة، حاولوا
التأثير والحضور لكي يحصلوا على كيان معين مستقل، وانهم
تلقوا وعوداً بذلك، لكن مصالح الدول الاستعمارية، وتحديداً
بريطانيا، افضت الى ارضاء الكثيرين على حسابهم، فعاشوا
مذذاك رحلة المعاناة والمأساة بحثاً عن وطن ضائع وحلم
مكسور، اضطروا في سبيل تحقيقه الى امرين أساسيين:
- النضال المضني للحصول على
حكم ذاتي او فدرالية في العراق وتركيا.
- ان تكون المسألة الكردية
ورقة في مهب رياح الصراعات والتجاذبات الاقليمية والدولية
العاتية، خصوصاً إبان صراع القطبين الكبيرين، فتحولوا من
حيث يدرون او لا يدرون الى ورقة ضغط ضد محيطهم، خصوصاً
تركيا والعراق وايران، واستطراداً صاروا بؤرة توتر جاهزة
في منطقة هي محط الانظار وذات قيمة استراتيجية عالية، ولا
سيما انهم يقيمون في ارض غنية بالنفط، يستغلها من يشاء
ويحركها من يريد تغذية النزاعات وتأجيج الاضطرابات.
على وقع هذا الوضع المتحرك
دوماً عاش الاكراد في العراق، ورقصوا حيناً فرحاً بسراب
حلم آت على صهوة وعود من هذه العاصمة او تلك، ومعظم
الاحيان مذبوحين من الألم.
الرحلة الصعبة في
العراق
تشير الشواهد التاريخية
المستقاة من التاريخ العراقي الحديث ان الاكراد لم يبرزوا
قوة اساسية الا في العراق، لان الايرانيين والاتراك عرفوا
كيف يرّوضوا ابناء جلدتهم ويهدّئونهم لحقب طويلة، او
يوجهون الى ثوراتهم ضربات قاصمة. وثمة أمر آخر ساهم، وفق
المؤرخ والباحث الاجتماعي المعروف حنا بطاطو، في ايقاظ روح
الاستقلال والنضال والتمرد على السلطة عند اكراد العراق،
هي تركيبة هذا البلد المتنوعة نسبياً طائفياً وعرقياً،
ومروره بحقبات توتر وضعف شديد سمحت بانفتاح داخله على
الخارج، ورفض العهود المتعاقبة على بغداد وضع حلول جذرية
لمشكلة الاكراد، وعدم الاعتراف بهم كقومية مستقلة. فكانت
هذه العهود ترفض تسمية منطقتهم باسم كردستان، وتطلق عليها
اسم شمال العراق، او العراق الشمالي، اضافة الى ان عصبة
الامم اوصت بعد انشائها باعطاء اكراد العراق نوعاً من
الحكم الذاتي.
لذا، فان العهود الثلاثة
الاخيرة التي مرّت على العراق، وهي عهود عبد الكريم قاسم،
عبد السلام عارف وشقيقه، البعث العراقي، دخلت جميعها في
حروب ومعارك مع الاكراد، في ظل وعود متكررة وملغاة او
مجمدة باعطائهم حكما ذاتيا يضمن حقوقهم الثقافية
والادارية، مما افضى في النهاية الى نزف مزدوج: لطاقات
عهود بغداد وللأكراد أنفسهم.
يذكر تاريخ الدولة العراقية
التي اعلنت عام ،1923 بعدما نودي بالملك فيصل الاول ملكا
عليها، ان أول صدام بين أكراد العراق والسلطات العراقية،
كان قبل هذا التاريخ، وبالتحديد عام .1919 يوم قاد زعيم
كردي تاريخي يعرف باسم الشيخ محمود الحفيد، وهو من مدينة
السليمانية، "شبه ثورة" أخمدت في خلال شهر واحد. وفي عام
1922 أعلن هذا الرجل نفسه ملكا على كردستان، وبدأ بدعم
واضح من تركيا، ثورة، لم يتمكن البريطانيون من اخمادها الا
في ايار عام .1924
وفي عام 1930 طالب أكراد
العراق بضمانات من عصبة الأمم، وقاموا بانتفاضات عدة
احداها بقيادة الشيخ محمود، والاخرى بقيادة الشيخ احمد
البارزاني، وقد أخمدت الثورة الثانية بالقوة العسكرية
وبمساعدة سافرة من سلاح الجو البريطاني الذي شن غارات
وحشية على القرى والعشائر الكردية مستخدما الغازات السامة،
مما أدى الى مقتل الآلاف ووأد الثورة. وكانت تلك المرة
الاولى في التاريخ التي استخدمت فيها الاسلحة الكيماوية ضد
مدنيين في مواجهة انتفاضة شعبية.
الملا مصطفى
ومنذ ذلك التاريخ بزغ نجم
الملا مصطفى البارزاني في شكل ساطع، ليتحول لاحقا ابرز
القيادات الكردية، وليضطلع بدور حتى وفاته عام 1979 طريدا
مبعدا في احد مستشفيات الولايات المتحدة.
ويضفي الاكراد عموما صفات
تاريخية، على هذا الرجل، الذي صار أحد أبرز رموزهم في
العصر الحديث. وفي نبذة وزعها الاكراد عن هذا القائد ورد
انه ينتمي الى عائلة لها مكانتها الدينية والسياسية
الكبيرة في كردستان العراق، فهو ولد في بلدة بارزان عام
،1903 لوالد عرف كشيخ طريقة، كما يشيرون ايضا الى انه كان
في الثالثة من عمره عندمما سجن مع والدته في سجن الموصل
التركي. ويذكرون انه شارك في ثورة الشيخ محمود الحفيد في
عام 1919 وأظهر بطولات دفعته الى القيادة والصدارة. كما
توجه البارزاني مع أخيه الشيخ أحمد الى كردستان تركيا
ليشتركا مع القائد الكردي الشيخ سعيد بيران من اجل تنظيم
امور الثورة هناك. ومن ذلك التاريخ صار تاريخ الاكراد
وانتفاضاتهم المتكررة، مرتبطا باسم هذا الرجل. وتذكر
الأدبيات الكردية انه في يوم 9/12/1931 قاد البرزاني
وشقيقه أحمد انتفاضة في منطقته استمرت حتى عام 1932 يوم لم
يعد يستطيع الصمود، فانسحب على الاثر الى كردستان تركيا،
وهناك اعتقلت السلطات التركية شقيقه الشيخ أحمد وسلمته الى
الحكومة العراقية، أما البارزاني فقد استطاع الافلات، ووصل
مجددا الى الحدود العراقية ونظم قوة مسلحة وبدأ رحلة جديدة
في ميدان الكفاح المسلح ضد الحكومة العراقية.
في عام 1933 بدأت الحكومة
الملكية العراقية المفاوضات مع الشيخ أحمد، بهدف استدراج
مصطفى البرزاني الى المفاوضات، وعندما وصل هذا الاخير الى
الموصل القي القبض عليه ووضع قيد الاقامة الجبرية، وحاولت
السلطات العراقية (وفق الادبيات الكردية) دسّ السمّ له،
لكنه نجا بأعجوبة.
وفي عام 1943 استطاع الملا
مصطفى الافلات من الحكومة العراقية ووصل الى بلدته بارزان
ليستأنف التمرد والثورة. وفي ذلك العام انسحب البارزاني
الى كردستان ايران، ثم عاد ثانية الى بلاده بعد عام، ليبدأ
مرحلة توحيد القبائل الكردية المتصارعة، وعقد في عام 1945
اجتماعات مع ضباط ووجهاء أكراد ألفوا لجنة أسموها "لجنة
الحرية" ووضعوا لها برنامجا سياسيا.
وفي ذلك العام شهدت كردستان
العراق مواجهات جديدة بين الجيش العراقي بدعم بريطاني
والاكراد استمرت لنحو شهرين، أدت الى هزيمة الانتفاضة
الكردية وانسحاب البارزاني نحو كردستان ايران ليساهم في
انشاء ما أسمي لاحقا "جمهورية مهاباد" الكردية التي رأسها
القاضي محمد. سمي البارزاني قائدا عاما لجيش هذه الجمهورية
التي سقطت في 16/12/1946 بعدما تخلى السوفيات عن دعمها.
في عام 1947 أدرك البارزاني ان
وضعه صار صعبا، بعدما تقلص الدعم الذي يلقاه، فنفذ مسيرة
كبرى شاقة استغرقت أشهرا مع نحو 500 مقاتل للوصول الى
الاتحاد السوفياتي، حيث مكث هناك في أذربيجان حتى عام
،1958 عندما انتصرت حركة عبد الكريم قاسم وأسقطت النظام
الملكي الهاشمي، أصدر النظام الجديد عفوا عن البارزاني
ورفاقه. ومع هذا التحول في العراق، عاد البارزاني الى
بغداد، بعدما زار بوخارست، ثم القاهرة حيث استقبله الرئيس
المصري الراحل جمال عبد الناصر بحرارة.
وفي العاصمة العراقية جرى
للقائد الكردي العائد بعد 12 عاما استقبال رسمي وشعبي، وفي
اليوم التالي لوصوله زار البارزاني الرئيس العراقي قاسم
ليشكره على موقفه ويقول له عبارته الشهيرة "انه من دواعي
الفخر ان أكون جنديا من جنود ثورة 14 تموز تحت قيادة
الزعيم قاسم". وقد انتهج قاسم سياسة مرنة تجاه الاكراد، اذ
احتلوا مناصب رئيسية في الادارة مع اعتراف واضح ورسمي في
الدستور الموقت بالحقوق القومية الكردية داخل العراق. لكن
شهر العسل بين الجانبين لم يدم طويلا، ففي نهاية عام 1959
وبداية عام 1960 ساءت العلاقة بينهما وعمد قاسم الى زج
أركان الحزب الديموقراطي الكردستاني الذي كان أنشأه
البارزاني في عام 1945 في السجون، وأغلق جريدة "خه بات"
لسان حال الحزب وزعيمه.
ولاحقا توجه البارزاني الى
بلدته في شمال العراق، وفي العام التالي (1961) تجددت
المواجهات العسكرية بين الاكراد ونظام قاسم واستمرت متقطعة
حتى العام ،1964 عندما تم توقيع اتفاق سلام بين البارزاني
وعبد السلام عارف الذي كان استولى على السلطة في انقلاب
عسكري قاده بدعم من حزب البعث والتيار الناصري، وافضى الى
اسقاط حكم قاسم واعدامه.
في عام 1967 صدر بيان 29
حزيران الذي يعترف بالحقوق القومية الكردية عبر 12 نقطة،
لكن تولي نظام البعث الحكم في بغداد عام ،1968 ادخل القضية
الكردية مرحلة جديدة. ففي الاعوام الثلاثة الاولى من عهد
هذا النظام، نجحت الضغوط والاتصالات والتدخلات الخارجية في
اصدار "مانيفستو للحل السلمي للمسألة الكردية"، وذلك في 11
اذار عام ،1970 اذ وعدت الحكومة الاكراد بمنحهم حكما ذاتيا
مع ضمانات لاعتبار اللغة الكردية مساوية للعربية في شمال
العراق. واعتبر هذا الاتفاق حلاً وسطاً بين التطلعات
الكردية والتطلعات البعثية، لكن هذا الحل لم يجد طريقه نحو
التنفيذ بسبب تصاعد مطالب الاكراد واصرارهم على حكم ذاتي،
تكون مدينة كركوك الغنية بالنفط تحت سيطرتهم. ومع ذلك فان
الامور بقيت مستقرة نسبيا، وظهر لاحقا ان الطرفين قبلا
بهدنة لكي يدبر كل منهما امره، خصوصا بعدما تلقى البارزاني
اسلحة من ايران واسرائيل والولايات المتحدة.
وفي 11 اذار عام 1974 اعلنت
الحكومة العراقية من جانبها الحكم الذاتي للاكراد، وطلبت
من البارزاني قبوله والانضمام الى الجبهة الوطنية التي
اقامتها لكن البارزاني رفض هذه المطالب واصدر انذارا
مضادا. وبدعم اميركي وايراني واضح للاكراد انفجر الصراع
مجددا بين بغداد والاكرد في ربيع عام ،1974 واستمرت
المعارك حتى ،1975 عندما انتهى الدعم الايراني للاكراد اثر
توقيع اتفاق الجزائر بين بغداد وطهران، فانهارت المقاومة
الكردية، وانسحب البارزاني مع عدد من مقاتليه الى ايران،
وبانسحابهم سيطر الجيش العراقي على مناطق الاكراد، مما ادى
الى تهجير نحو 200 الف كردي.
وفيما كان البارزاني يسافر
لاحقا الى الولايات المتحدة للعلاج من جملة امراض المت به،
بينها السرطان، ويموت هناك في 1/3/،1979 كان النظام
العراقي ينفذ سلسلة اجراءات ادارية وامنية وديموغرافية في
شمال العراق كخطوات وقائية ضد اي تمرد كردي لاحق، اذ انشأ
منطقة حكم ذاتي على جزء صغير من شمال العراق، وبوشرت اعادة
توطين الاكراد في مناطق اخرى، واحلال مواطنين عراقيين
آخرين (عرب وتركمان) مكانهم خصوصا في مدينتي كركوك والموصل
وجوارهما. وفي العام التالي 1976 برزت قوة كردية جديدة
باسم حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، وتزعمها جلال
الطالباني، وهو شخصية مثيرة للجدل، كونه اساسا ماركسيا ذا
اتجاه ماوي، وانضم عام 1963 الى الحزب الديموقراطي
الكردستاني بزعامة البارزاني وصار عضوا في مكتبه السياسي،
ثم خرج منه ليعود اليه، قبل ان ينشق نهائيا ويعلن من دمشق
تأسيس حزبه الجديد، مدّعياً انه يمثل النخبة الكردية
والمدنية المثقفة مقابل حزب الفلاحين والاقطاعيين
والرجعيين الذي يمثله الحزب الآخر.
وكما العادة تبدلت ولاءات هذا
الرجل، ولكنه صار الرجل الثاني في القيادة الكردية، وهو
تعامل اولا مع نظام البعث ثم عاد عام 1977 لينتقل مع حزبه
الى كردستان العراق، ويخوض دوما حروبا مع الحزب المنافس
الذي كان قد تولاه نجل الملا مصطفى مسعود البارزاني.
ومع اندلاع الحرب العراقية -
الايرانية عام ،1980 وقعت كردستان العراق بين فكي كماشة،
ففي عام 1983 شنت ايران هجوما على شمال العراق فأيدها رجال
الحزب الديموقراطي، بينما اعلن الاتحاد الوطني رفضه
التعاون وفتح باب المفاوضات مع بغداد.
في 1985 حصل اتفاق بين
التنظيمين على نبذ خلافاتهما وتعهدا بذل الجهود للسيطرة
على المرافق الاقتصادية في شمال العراق. في 1988 ومع
اقتراب نهاية الحرب العراقية - الايرانية وخروج بغداد
منتصرة منها، بدأت القوات العراقية حملة ضد الاكراد اطلق
عليها اسم "حملة الانفال" كانت قمتها المأسوية في تدمير
مدينة حلبجة بالغازات السامة، مما ادى الى مقتل نحو 5 آلاف
شخص وفق التقديرات الكردية.
والواضح ان حرب الخليج
الثانية، كانت نقطة التحول في حياة الاكراد، فبعدها
استطاعوا بدعم كبير من واشنطن، جعل منطقتهم منطقة محمية،
فأرسوا قواعد حكم ذاتي نعموا به للمرة الاولى بحياة
ديموقراطية، وباستقرار اقتصادي قطعته دوما صراعات الحزبين
الدامية التي استغرقت زمنا طويلا وانتهت عام 1998 الى
اتفاق "جنتلمان" يقضي بتقسم منطقة كردستان العراق الى
قسمين تخضع بموجبه السليمانية وبعض مناطق كركوك لحكومة
البارزاني، واربيل وجوارها لحكومة الطالباني، على ان يجمع
بينهما برلمان موحد يرأسه شخص محسوب على البارزاني يدعى
الدكتور روج نوري شاويش، ويندرج ضمن هذا التقاسم، تقاسم
للموارد المالية.
ماذا بعد؟
سؤال يطرح بالحاح لدى الاوساط
الكردية، التي صارت مقيمة على اعتقاد كامل، بأنه لا مجال
اطلاقا للعودة الى الوضع الذي كان قبل عام .1991 لكن
الاكراد وسط كل ذلك، يقبلون بأن يكونوا جزءا من عراق
فيدرالي، وفي الوقت عينه فانهم يعون اكثر من غيرهم بفعل
تقلبات تحالفاتهم وخيبات رهاناتهم ان الامر كله في يد
واشنطن وحساباتها ومصالحها.
لهوية والدين
يشكل السنّة نحو 92 في المئة
من عديد أكراد العراق، فيما يشكل الشيعة الذين ينتمون الى
قبيلة يطلق عليها اسم الاكراد الفيليين، نحو 5 في المئة
ويبلغ تعدادهم نحو 900 ألف نسمة، ويبلغ عدد اتباع المذهب "الإزديني"
(خليط من الاسلام والمسيحية واليهودية والزارادشتية) نحو
400 ألف نسمة، ويشكل الأكراد العلويون (يسمّون الكاكائيون)
نحو 300 ألف نسمة. وهناك بعض اليهود، ومنهم اسحق موردخاي،
وبعض اتباع للمذاهب المسيحية (نحو 200 ألف شخص وفق
تقديراتهم).
ويتكلم اكراد العراق ثلاث
لهجات مختلفة نسبياً هي:
- البهدانية، ويتحدث بها أكراد
زاخو وداهوكو وعقرة وعمادية وبرزان.
- السورانية، وهي لغة الثقافة
الكردية في الوقت الحاضر، ويتحدث بها اكراد اربيل
والسليمانية وكركوك.
- الفيلية، الخاصة باتباع هذه
القبيلة (الشيعية) المقيمين في مناطق مختلفة منها بغداد.
ويتوزع اكراد العراق في شكل
رئيسي على محافظات كركوك، اربيل، والسليمانية ودوهوك،
اضافة الى 10 أقضية في الموصل.
وهناك لغة كردية خاصة، وقد فرض
النظام العراقي كتابتها بالحرف العربي، لكن الأكراد عادوا
اخيراً الى الحرف اللاتيني.
- ينتمي الأكراد الى العرق
الهندو - اوروبي الذي ينتسب الى العرق الآري. |