الفصل الاول
تفضل يا بيه!
ميدان التحرير، مطعم
الحرية، لم اخطئ .
جلست في ركن غير
هادئ، قريب من طاولة
صاحب
المطعم ، المكان يعج
بالزبائن. أكثر من
نادل يمر، أكثر من
سؤال يراودني، أكثر
من حيره؟
الشئ الوحيد الذي لم
أكن أفكر به أنني لم
أكن جائعا
كان علي أن لا اتصل
هاتفيا مع أخي في
دمشق.
المهم أن أصل القاهره
بسلام. لقد
وصلت وها
،نا في مطعم الحرية،
مطعم خال أمي الذي
هاجر قبل خمسين عاما
أو أكثر، هاجر إلى
فلسطين هربا من جور
اخيه شيخان،
استقر في غزة، عمل
حلوانيا وتلك كانت
مهنته. غير أن شيخان
لم تكن له مهنة غير
تناول الخمر وسحب
الموالات
وبعض خبرة في تثمين
الخيول،
واعتماده الكلي على
ما يحصل أخاه من مال
في تجارة الخيول
برضاه أو غصبا عنه
حتى عافه وهجر عامودة
ولم يعد.
فقد شيخان مموله
وشقيققه الذي علمه
كيف يتعامل مع الخيول
وتربيتها و المتاجرة
بها
وباختفاء كمال تفرد
شيخان بالمهنة.
كان الكابتن الفرنسي
حاكم مدينة عامودة
يحتاج لسائس خيول
فطلب شيخان وعهد له
بمسؤولية رعاية خيول
جند فرنسا الميامين
لقاء اجر شهري.
كانت فرحة شيخان
عامرة بالوظيفة
الجديدة، فهي تؤمن له
الشراب في خمارة بحدي
على أقل تقدير وكذلك
إعانة والدته المسنة.
فطاولته في الخمارة
محجوزة دائما. كان
يعود يوميا في
الواحدة أو الثانية
صباحا منتشيا وهكذا
دامت عليه الحال.
في الصباح يقدم العلف
للخيول وبعد العصر
يخرجها للبراري ثم
يعود بها الى الاسطبل
وينهي مهمته.
في البيت يستحم
ويرتدي كلابيته
البيضاء ويشتم والدته
لأنها تخدم في بيت
الشيخ محمد صدقه دون
أن تهتم بطلباته.
حدث ذات يوم أن عادت
مبكرة من بيت الشيخ
فسألها
ما الخبر؟
قالت: أنت السبب،
لقد طردني الشيخ
بمجرد أن لمست عتبته
المقدسة.
وقال اغربي عن وجهي
يا أم الفاسق! ابنك
يشتمني.
فقال شيخان: وهل هذه
معجزة؟
أنا يوميا أشتم هذا
الشيخ الجليل.
ثم إن كان وليا كما
تزعمين فلماذا يحملك
وزري؟
ربما كان شيخان
الوحيد من أهالي
عاموده الذي لم يصدق
كرامة الشيخ ولم يفكر
في يوم من الأيام أن
يعتذر له
بالرغم من أن من يشكك
بذلك في زمن الشرق
الأوسط الجديد جريمة
لا تغتفر!
وشيخان طروحاته او
الحاده كانت في
الاربعينيات من القرن
المنصرم.
استمر شيخان على
عادته. خمارة بحدي،
الخيول، شتم الشيخ
والكابتن الفرنسي
في سريرته.
المرتب لم يعد يكفيه.
الحياة لم تعد تطيقه
أو يطيقها كانه في
كفن ولا يسير نحو
الموت.
صحيح إنه كان يستولي
على مال أخيه كمال
لكنه لم يرغب
بفراقه، لقد عاقبه
بشدة حين هاجر.
اذن ليعاقب نفسه بعرق
التين.
ليعد بعد منتصف كل
ليل لدارته كالمهلهل
الذي فقد أخاه الملك
دون أن يفكر بانتقام.
يوقفه حارس البلديه
دنحو، يدعوه لتناول
القهوة فهي مغرية بعد
شراب سميك.
وماذا بعد يا شيخان؟
أكل يوم على هذه
الحال،
أليست هناك نهاية؟
ينظر شيخان إليه
بقرف، وهل لديك حل يا
دنحو آغا؟
نعم لدي!
ماهو بربك؟
أن تنتسب للحزب
الشيوعي،
الحزب الشيوعي؟
نعم!
ما هو هذا الحزب،
وماذا يقدم؟
يا أخي شيخان، الحزب
الشيوعي أو الشيوعية
هي منع استغلال
الانسان لأخيه
الانسان.
وبعد،
ستؤمن لك بيتا غير
المؤجر الذي أنت فيه،
وربما تخصك بقطعة
أرض صغيرة تعمل فيها
وتنتج. ولن يكون هناك
فرق بينك وبين أي
انسان حتى لو كان
سيدنا الكابتن.
الشيوعية هي العمل
والإخلاص. هي كرامة
الانسان والأهم أنها
لن تمنعك من تناول
الخمر.
هز شيخان رأسه وتأمل
وجه دنحو الهرم وتمتم
كأنه يأخذ قرارا
مصيريا..
سجل اسمي يا دنحو
واعتبرني منذ اللحظة
عضوا في الحزب
الشيوعي.
فرح دنحو وتابع
حراسته الليلية.
فرح شيخان وتابع سيره
للدار.
شيخان يتعمد المرور
أمام دنحو يوميا وهو
عائد من الخمارة.
يسلم عليه ويحاوره في
الأمن والعيال
والرزق.
وبعد أسبوع فاتحه، ما
أخبار الشيوعية يا
دنحو؟
ألم تعدني؟
وعدتك بماذا يا
شيخان؟
ألم تقل أن لي أرضا
ودارا ولا فرق بيني
وبين الكابتن؟
صحيح ولكن ربما بعد
خمسين عاما؟ ربما
أحفادنا أو أحفاد
أحفادنا؟
نظر شيخان اليه بتقزز
وقال
أيها الخنزير امسح
اسمي من سجلاتكم
العفنه وإلا هرست
رأسك بقدمي؟
اللعنة عليك وعلى
الشيوعية إن لم تكن
الآن؟
ترك شيخان دنحو وبدا
يتململ من خمارة بحدي
ومن أصدقائه، من
رعاية الخيول، من
افلاسه.
عليه ان يخرج الخيول
غدا للمرعى ولا كيس
تبغ لديه.
تشاجر مع والدته
كالمعتاد وهي مغادرة
لخدمة الشيخ. وبعدها
خرج باتجاه الاسطبل
ليقود الخيل لمرعاها
المعتاد القريب من
الحدود التركية.
سكة قطار يفصل بين
سوريا وتركيا. سوريا
الفرنسية حسب اتفاقية
سايكس بيكو وتركيا
الكمالية وقتئذ.
والخيول في حوزة
شيخان ولاحدود لديه.
فكر.
ماذا لو قاد الخيول
الى ماردين وباعها؟
ماالذي سيحصل ؟
طبعا هناك إعدام
موكد. ليكن إعدام.
إعدام... المهم أن
أعيش سنه على الأقل
بشئ من الرقي.
هيا يا شيخان! هي
خيول ولا تفهم معنى
الحدود.
هيا يا شيخان الى
ماردين الى وراء
القلعه الى الحياة.
لم يدر شيخان كيف
أصبح في ماردين باع
حيوانات الفرنساوي.
نام على كنز واستقر
في خمارة ايلو.
حرمت عليك سوريا.
حرمت عليك عامودة يا
شيخان!
عامان مضيا و أنت
تعيش مثل الآغوات
تسرق مثلهم، تنفق
مثلهم، تولم، تحب
عاهرات، تعشقهن،
تشتري لهن سلاسل من
ذهب.
وسلاسل الحديد تقترب
من عنقك.
لقد أفلست ثانية
ولم تحصل الحب.
أفلست ولم تعرف اين
أخوك. أفلست والشيخ
صدقه مازال في
عاموده.
أفلست ووالدتك وحيدة
ومقهورة. والدتك
مريضة يا شيخان!
سأزورها وأقبل يدها
وأحذرها من خدمة
الشيخ السعودي.
عاد في ليلة غير
مقمرة الى عامودة،
متجها لدارة امه
ليعود في الليلة
التالية لماردين.
وقبل أن يطرق الباب
حاصره الجند واقتادوه
الى سجن الخيالة
وزجوه في السجن
الملحق بالاسطبل.
عاد شيخان لرشده.
وقعت الواقعه. مقتول
لا محال. ميت
وأكثر.
ليكن!
ليرتاح الشيخ صدقه من
شتائمي وأمي من جحودي
وأخي من الغدر.
دنحو من انشقاقي عن
الحزب وبحدي عن تهشيم
طاساته وأباريقه
البرونز. مثلما يقول
الشيخ محمد...
داعرتي الجميلة
ليلوكي عن ما سببته
من غم وايلو الذي دعا
علي بالجوع،
كل هؤلاء سيرتاحون
وربما أرتاح من هذه
الدنيا الفانيه.
لكن الآخرة لن تكون
أفضل. وكان سيتابع
اخفاقاته لو لم
ينادوا عليه لمقابلة
الكابتن.
أخذوه مكبلا.
دخل حجرة الكابتن
ليقابل شابا يرتدي
زيا عسكريا وعلى صدره
شرائط ملونة. يجلس
بجانبه انطون خاجو
الوجيه والمترجم
من سكان عامودا.
تحدث الكابتن
بالفرنسية مطولا ثم
أشار لانطون خاجو
بيده نحو شيخان.
قال انطون خاجو
لشيخان مترجما:
يقول لك الكابتن
فرانسوا
إن الحكومة الفرنسية
قد عينتك سائسا لخيول
الجند في محمية
عامودا، وحيث أنك قد
أخليت بمهنة الوظيفة
العامة الموكلة اليك
حيث قدت الخيول لدولة
مجاورة ولم تعدها
للمركز، فقد قررنا
باسم الشعب الفرنسي
وأنا شخصيا الممثل
العسكري للحامية طردك
من الخدمة نهائيا حيث
لا يحق لك الاعتراض
ولاالمطالبة بأي حقوق
مستقبلا، كما لا يحق
لك التقدم لأي وظيفة
في سلك الدولة.
نظر شيخان لانطون
خاجو
وقال: وبعد
ليس هناك بعد،
أهذا كل شئ؟ نعم!
والإعدام؟
اي إعدام يا رجل؟
لو كنت أعرف هذا من
قبل لبعت الكابتن في
سوق الحمير.
حركة المطعم لم تهدا
لحظة واحدة وأنا ايضا
لم أهدأ بالتفكير في
أي شئ.
اه يا أم الدنيا يا
ولادة نجيب محفوظ
وأمل دنقل وأنور
السادات ومحمود
مرسي..
سنوات ونحن محرومون
من مياه النيل. من
الحسين وخان الخليلي،
بسبب السياسة.
نهضت واتجهت نحو
طاولة صاحب المطعم
الذي يجلس وراء صندوق
المحاسبة. شاب وسيم
وانيق.
سلمت عليه فرد مرحبا
وقال: حتحاسب؟
قلت لا حتعارف.
أنا من سوريا أريد
صاحب المطعم.
فرد الشاب أنا صاحب
المطعم، وأنت من
أهالينا في سوريا،
صح؟
قلت صح!
فوقف وضمني الى صدره
ثم نادى عامله وقال
استلم الحسبه حنروح
البيت.
ركبت سيارته واتجهنا
لمصر الجديدة. في
المساء اجتمعت
بالعائلة وعرفت
أخبارهم جميعا،
فمنهم من قضى نحبه
كخال أمي وابنه البكر
ومن يعمل طبيبا في
الكويت وآخر مهندس
في شركة الكابلات.
لكنني افتقدت عليا
الذي كان في سني
تقريبا وهو الأصغر في
العائلة. التقيته
قبل ثلاثة عقود في
دير الزور زائرا
بصحبة والديه.
قلت أين علي؟
قالوا بعافيه شويه.
في الصباح أخذني
المهندس طلعت الى
مشفى راق.
فاستغربت، ماذا نفعل
هنا يا سيد طلعت؟
قال مش عايز تشوف
علي؟
أجبت بالطبع !
قال اهو اتفضل. دخلنا
إحدى الغرف وكان علي
جالسا على أريكة ينظر
الى تلفاز صامت.
باسما...
ساله أخوه طلعت
عارف الراجل ده؟
أجابه مين ده؟
قريبنا من سوريا.
فرد علي
هو كمان بيحب نجوى
فؤاد؟..................