amûdê amûda عامودا عاموده  عامودة www.amouda.com      E-mail      info@amouda.com    kurdish video video kurd kurdish muzik muzîka kurdî stranên kurdî filmên kurdî

Mûzîk  

Video

Wêne

Helbest

Rêziman

Navdar Navên kurdî Lîsk Çîrok Meselok Pêkenok Link

 

 

 

نهر عامودة: كتابة تاريخ منسي

 

شهدت بدايات القرن الماضي ظهور رجالٍ من طراز المنفلوطي والزيات والعقاد وشميل وخوري وجبران وسواهم، ممن رفعوا عبر إنتاجهم الأدبي الثر

الشيخ توفيق الحسيني

 ومصنفاتهم التي توازعها الشعر والنثر والنقد لواء النهضة الأدبية الحديثة في بلاد العرب. وشكلوا حلقة الوصل بين عصرين: عصر أفل هو عصر التراث العربي الكلاسيكي المنتعش والمتوج بأمثال عبد الحميد الكاتب وعبد الله ابن المقفع وأبو عثمان الجاحظ وأبو علي القالي وسواهم, وعصر مقبل هو عصر الحداثة الغربية الخارجة عن كل تقليد والتي كانت تطرق الأبواب عبر نصوصها المترجمة التي سهلت تقنيات العصر تنقُّلها وانتشارها، والتي شكل جبران خليل جبران ورابطته القلمية أحد أبرز أعلامها. وتسلحت هذه المجموعة من الأدباء والكتاب من الناحية الضمنية بفكر كان على أهبة النضوج إن لم نقل ناضجاً, ومن الناحية الشكلية بلغة عربية قويمة شكلت وعاءً حاوياً لم يكن منه بد. وقد أثَّرت تلك (اللغة الوسيطة) حتى منتصف القرن الماضي في جملة مناحي الفكر العربي وتأثرت به، بعد أن شذبت أطرافها ونقت حواشيها مما كان عالقاً بها من مفردات ومصطلحات حجازية قرشية تضمنت غريب الكلام وأساليب في الكتابة حوت سلاسل متصلة من المترادفات والمتشابهات وفنوناً من صناعة السجع والإلغاز. وتزينت عوضاً عن ذلك بكثير من المفردات والتعابير والاصطلاحات التي فرضتها أجواء الحياة المعاصرة، وتبناها أدباء المرحلة طوعاً أو كرهاً، كلٌ حسب ظروفه الذاتية والموضوعية.
في كتابه الموسوم (نهر عامودة) والصادر عن مطبعة اليازجي عام 2004 يثبت لنا شيخ أدباء الحسكة (الشيخ توفيق الحسيني) - ولقب الشيخ هنا لقب عائلي متوارث -  مرة أخرى أنه الابن البار لسلالة تخيلنا أنها انقطعت من أدباء ذلك العصر الجميل. ويعلن بإبداعاته المتعاقبة أنه قد استلم الراية بالتواتر من سلفه الدكتور طه حسين، حين أتحفنا أخيراً بما يشبه (أيامه) على بعد الشقة الزمنية الجغرافية فيما بين الرجلين الموصولين بصلة الرحم الأدبية, وبما يقترب من سيرتي سليم بركات الشهيرتين عن القامشلي. على أن الشيخ الحسيني وإن شابه هذا الأخير في الموضوع والمنهج فقد خالفه مخالفة تامة في اللغة وروح النص، مبرهناً أنه هو الآخر (صياد) يسهل عليه الإفلات من شباك بركات القاتلة.
يضيء الشيخ الحسيني نقاطاً معتمة من تاريخ هذه المدينة المرمية في أقصى الشمال السوري المنسية مجازاً وحقيقةً, ويكرس أكثر من مئة وخمسين صفحة لينثر فيها نصاً يشبه السيرة، حين يتحفنا بتقاطر ذكرياته عن عامودة خلال نصف قرن هي المدة التي أتيح له أن يعايشها منذ تفتح وعيه وشهد ولادة الاختراعات الأولى والعجائبية، كالفرن والسينما والمسرح والفونوغراف والمذياع والحصان الخشبي (الدراجة الهوائية) ثم الدراجة النارية وسواها, شهدها وهي تظهر على استحياء ثم تتسرب إلى حياة الناس اليومية لتغدو بعد فترة قليلة من الأمور الاعتيادية.
في (نهر عامودة) مياه صافية نقية تتسرب خلال راحات الشاربين، وأمواج عاتية شقية ترهب أمهر الخائضين، ولا تكاد تأنس إلى رقة بعضها حتى تفرق من شدة بعضها الآخر. وهي إلى ذلك زاخرة والدة لا تكاد تعثر على أطرافها بصدفة بُنِّية أو ضفدع أخضر أو عشبة نادرة، حتى تجتذبك سمكة حمراء أو فضية تلهو على السطح فتلاحقها ملاحقة الصياد إلى أن تراها وقد التحقت بسرب من شقيقاتها فتلتفت إلى سواها. 
وفي (نهر عامودة) أرض بكر تسرح فيها مختلف أجناس الحيوانات والطيور البرية والأهلية داخل دائرة واسعة، غالباً ما تتقاطع مع الدوائر التي يشغلها البشر. وفيه تبصُّر عميق ورؤية ثاقبة تصور بشكل غير مباشر انتقالاً بطيئاً نحو المدنية يكون مسرحه حياة سكنة عامودة بخطوطها العريضة وتفاصيلها اليومية, هكذا يقدم لنا النهر:
(نهر عامودة أو نهر الخنزير ينبع من سفوح جبال طوروس، وينحدر إلى السهول الجنوبية مروراً بعامودة وانتهاءً إلى نهر الخابور، الذي يصب في مياه الفرات حيث تمتزج مياه الأنهار الثلاثة. ولا نعلم سبباً لإطلاق هذا الاسم عليه سوى أننا نعلم أن خنزيراً برياً بحجم الجاموس شرد بعد أن تاه عن قطيعه وضل طريقه وهام على وجهه حتى وصل إلى مشارف عامودة ... ثم تابع طريقه بهدوء، وسار إلى جانب النهر حتى وصل إلى مركز الشرطة في الجنوب فاصطادته البنادق ...) ص6.
سأستشهد هنا ببعض من اللقطات التي اقتنصها الشيخ الحسيني من خلال مشاهداته أو مسموعاته، فنقلها إلينا بكل أمانة وعبقرية، كما فعل من سبقه من النابهين الذين لم ينظروا إلى الحوادث من حولهم نظرة سطحية لا ترتفع بها إلى شرف النقل والتدوين. إنه يعصر ذاكرته ليستحضر منها ذكرى أصدقائه القدامى وسُمَّاره الأولين تارة،ً وتارة أخرى يستعصر ذاكرة أشخاص آخرين ممن كانوا هناك وانتقلوا معه من عامودة إلى الحسكة.
انظر إليه مثلاً كيف يصف خروجه الأول من عامودة مع صديق له قاصداً القامشلي من أجل استكمال الدراسة فيها. فإنه حين وصل إلى دار أحد معارفه في الحي الغربي ليستأجر منه غرفة يقيم فيها فصلاً دراسياً، رحب به الرجل وأظهر السرور وأشار إلى غرفة (تصلح لأن تكون زريبة أو حظيرة أو كوخاً للدجاج أو إسطبلاً لحصان ضئيل الجرم ... ثم قال لنا باعتداد ونبرة تشوبها الخيلاء كمن يمنُّ على آخر وقد أسدى إليه معروفاً جليلاً مبرهناً على أريحيته وكرمه البالغ، وهو يحاول تحديد مبلغ الأجر المتواضع الذي سيتقاضاه منا، متفضلاً علينا بما سيفعل : كان رجل غريب قدم من مدينة حلب يسكن بجوارنا قد استأجر مني هذه الغرفة لإيواء حماره الذي ينقل على متنه بضائعه التي يعرضها للبيع متجولاً بها في القرى القريبة أو المجاورة. وقد كنت أقبض منه مبلغ عشر ليرات سورية في مستهل كل شهر دون إبطاء أو تسويف. وعلى الرغم من كونكما اثنين فلن أطالبكما بأكثر من عشر ليرات !) ص 81.
وانظر إليه كيف يصور شخصية أحد معارفه من المتصوفة الذي:
 (حين قيامه لأداء صلاة الصبح كان يجهر بصوته وهو يتلو دعاء القنوت، مضيفاً إلى النص فقرات مطولة من الأمنيات وما يشاء من الأدعية الغريبة التي تخطر له. كأن يقول : (اللهم هب لنا مئة ألف مليون مليار من أسطال اللبن .. اللهم امنحنا مئة ألف مليون مليار من الرؤوس من الثيران القوية والجمال الحمراء والخيول المسومة والجياد الصافنات.. اللهم أعطنا مئة ألف مليون برميل عسل) لكنه لا يكتفي بهذا القدر من الرغبات والأماني والآمال ويطلب أمثال هذا العدد من السيارات والحافلات والطائرات وسبائك الذهب وأكياس القمح (شام 6) لاستثماره في صناعة البرغل) ص 94.
ويفسر دوام اكتئابه تفسيراً هو التهكم بعينه : (كان هذا الرجل يحمل في طيات ضميره هموم الإنسان والحيوان، ويضع على كاهله وزر التفكير في أحوال الكائنات في البر والبحر وفي الفضاء، ويشفق عليها ويخشى أن ينالها الضر لسبب من الأسباب، فهو لذلك دائم الهم والاكتئاب). ص97.
في عامودة البكر ثمة عجوز يعتقد يقيناً أن الراديو يعمل لأن في داخله أقزام صغار يديرونه، ولا يقتنع حتى بعد أن يفتح له أحدهم علبة الراديو ويطلعه على ما بداخلها. ويحلف كذلك أغلظ الأيمان أن من يزعم أو يصدق صعود الإنسان إلى سطح القمر كاذب وكافر ومرجف: (تباً لهم .. تباً للخراصين الكفرة .. سحقاً للمرجفين الأفاكين, إن القمر بمجمله ليس أكبر من قرص رغيف أو صحن صغير، فأين حطَّت المركبة ؟ ومن أين حصلوا على تلك الكمية الهائلة من الأتربة والصخور ؟ ويل للفاسقين الفاجرين.) ص 24 .
وآخر ينتظر ولا يمل انتظار الخضر، ويحسب أن كفه لينة رخصة غضة من غير عظام. ولذلك (كنت تراه يصافح كل من يلقاه أو يدنو منه ... يتصفح وجه مصافحه، يدرس مخايله، يتفرس فيها, يشد على كفه اليمنى ويضغط عليها مترفقاً متأنياً، فعسى أن يكون صاحبها الخضر) ص 26. ويستغرب ثالث من سكنة عامودة كيف أن الوقود السائل يسير عبر الأسلاك النحاسية التي تغذي مصابيح الإنارة الحديثة بالطاقة!
يبرع الشيخ الحسيني في التقاط الصورة، بل التعبير الأدق. إنه يبرع في رسمها حتى إن حادثة شائعة تافهة مثل سرد الأكاذيب, وشخصية غير فريدة مثل شخصية الكذاب لا يخلو منها مكان ولا زمان وجدت لها مكاناً في (نهر عامودة), انظر في الصفحات من (129) إلى (139) كي تستمتع مثلما استمتعت بقراءة تحفة فنية كرَّسها صاحبها للسخرية من شخصية رجل كذاب، بل فنان في الكذب، عبر الإتيان على بعض طرائفه واستعراض بعض مبالغاته بعربية رصينة سليمة ما كان لنا أن تتوقع منها القدرة على الإضحاك والتسلية، لولا أنها تلونت وتطوعت بهذا الشكل الذي تراها به على يدي الشيخ الحسيني الذي يروي أن هذا الكذاب:
(... زعم مرةً لمهندس زراعي أنه سافر إلى اليابان، وشاهد في إحدى جزرها المهجورة أنواعاً من الحيتان البرية التي تتغذى على أوراق الشجر كدود (القز). وأن الأهالي كانوا يدجنونها ويروضونها ويستخدمونها في نقل البضائع والركاب .. وهذا الصنف من الحيتان سريع الاستجابة للأوامر التي تصدر إليه لشدة ذكائه إذا أحسن تدريبه . وزعم للمهندس أن هذه الجزيرة هي المكان الوحيد الذي يأوي إليه طائر (الرخ) الهائل الحجم الذي يتغذى على الحيتان، كما تتغذى الطيور على أسراب الحشرات. وهذا الطائر الضخم يخشى الإنسان ويفرق من الاقتراب منه، وإلا لقضى على جميع سكان الجزيرة، ولذلك تجد هناك توازناً بين أعداد الحيتان وطيور الرخ. ولولا وجود الرخ على سطح هذه الجزيرة لضاقت الأرض بكثرتها، وأصبحت الحياة عليها مستحيلة ... وهو شديد الشراهة للماء لأنه يكثر من تناول الملح وهو مدمن عليه، وفي ذلك يكمن سر قوته.) ص 13.3
إن غاية ما قام به المؤلف هو أنه مزج السرد الأدبي الفني المباشر والخاص به بجميع صوره بكلام الأبطال المفرد أسلوبياً، وأسبغ على معانيهم ووقائعهم ثياب العربية الوسيطة بشكل بدا فيه وفياً للتراث شبه الروائي في الكلاسيك العربي من جهة، والغربي من جهة أخرى.فذكَّرنا بالجاحظ وبخلائه في التراث الأدبي القديم وبـ (لا برويير) الفرنسي وكاراكتيراته في التراث الأدبي الحديث, وأمتعنا بطرافة الحدث من حيث الحكاية والتفاصيل، بمقدار ما أمتعنا بجزالة لغته ورصانة أسلوبه، وخلع على كليهما من روحه الفكهة ما ينفي عن النفس شبهة الملل والسآمة ويمسك بأصابع القارئ يقلِّب بها الصفحة تلو الصفحة.
قد يؤخذ على الكتاب عدم مراعاة تقسيمه إلى فصول وأبواب معنونة تروي كل واحدة منها حدثاً أو واقعة بعينها، الأمر الذي جعل الحوادث متداخلة متصلة وأقرب إلى الحكاية الطويلة. ولعل هذا ما أوقع الكاتب في تكرار بعض الحوادث، كما في حكاية الصبي الذي كان يستنزف مذاب السكر من قطع (الطيبوناهي) التي كان يبيعها في الصفحتين (16 - 75). أما لغة الشيخ الحسيني الأدبية فلا يكاد حتى للمدقق الحصيف أن يعثر فيها على ما يمكن أن يغمز من قناتها، اللهم إذا استثنينا بعض الهنات التافهة التي لا تستحق الذكر كوضعه (شيق) مكان (شائق) واستخدامه (بمثابة) مكان (بمنزلة) وكتابته كلمة (عامودة) - وهي اسم أعجمي - بالتاء المربوطة عوضاً عن الألف.
وختاماً: فالأدب في أبسط تعريفاته هو تقديم الحادثة (خطيرة كانت أم تافهة) بصورة مفارقة للتأريخ من حيث أنها تمنح القارئ متعة النهل من بيان الكاتب الذي يسكب الطبيعة / الواقع على الورق، إضافة إلى متعة الاطلاع وإرضاء الفضول وتوسيع المدارك. ويبدو أن السبب الوحيد الذي حرمنا من الاطلاع على تصاوير رائعة عن مثل هذه الكاراكتيرات هو عدم وجود الراصد البارع الذي يرى من واجبه أن ينقل بعض الصور من عصره إلى العصور اللاحقة كنوع من الأرشفة والتوثيق.
وإذا كان رسول حمزاتوف (المشهور عالمياً) قد أشاد بداغستان، وعلَّم الناس كيف تعشق الأوطان، فإن الشيخ الحسيني (المغمور حتى على الصعيد المحلي) قد كتب بعربية رصينة تاريخ مدينة نسيها التاريخ بحجرها وبشرها وحيوانها ونباتها. لكنه لم ينسها وشرح بألف لسان محبته لها، وإن لم يصرح بذلك تصريحاً. وتلك سمة العشاق الحقيقيين على ما أحسب وأعتقد .... شكراً شيخ توفيق!

إبراهيم فرحان خليل

 

 

 
المقالات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

 

إجعلنا صفحتك الرئيسية

عاموديات

موسيقى

فيديو

افلام

الحوارات

المشاهير

شعر و خواطر

مقالات

نكت

التاريخ

حكم والامثال

ترجمة فورية

عجائب و غرائب

عدد سكان العالم

الطقس في قامشلي 

شوف عامودة من الفضاء

             

Webstats4U - Free web site statistics