Mûzîk  

Video

Wêne

Helbest

Rêziman

Navdar Navên kurdî Lîsk Çîrok Meselok Pêkenok Link

 

 

 

 

 

 

معركة فارسكور وفشل الحملة الصليبية السابعة ونهاية دولة وقيام دولة

 

 

3 من المحرم 648هـ، إبريل 1250م

 

 

كانت الفكرة السائدة في أوروبا منذ أواسط القرن الثاني عشر الميلادي أن مصر ما دامت على قوتها وبأسها، فلا سبيل إلى نجاح الحملات الصليبية واسترداد بيت المقدس من المسلمين الذين نجحوا في استعادته، من الصليبين مرة ثانية سنة 642هـ، 1244م على يد الملك الصالح أيوب.

كان هذا هو السبب الذي أدى إلى قيام الحملة الصليبية السابعة بقيادة لويس التاسع على مصر، تلك الحملة التي استعد لها الغرب المسيحي بالتنسيق بين البابا أنوسنت الرابع والملك الفرنسي لويس التاسع وشهد مجمع ليون الديني الدعوة لها سنة 646هـ، 1248م.

ولم يكن هدف تلك الحلمة إعادة الاستيلاء على بيت المقدس، أو ضرب مصر باعتبارها قاعدة حربية هامة، وإنما استهدفت هدفا بعيد المنال، يتمثل في تكوين حلف مسيحي وثني بين الصليبيين والمغول، يهدم الدولة الأيوبية في مصر والشام من ناحية، ويطوق العالم الإسلامي ويحيط به من الشرق والغرب من ناحية أخرى.

وكانت الخطة البابوية تقوم على أساس أن تهاجم الحملة الصليبية المنطقة العربية من سواحل البحر المتوسط، وأن تبدأ برنامجها العسكري باحتلال دمياط أهم مواني الحوض الشرقي للبحر المتوسط آنذاك، وفي الوقت نفسه تتقدم القوات المغولية من ناحية الشرق لتشن هجومها على المنطقة، وكانت القوات المغولية البربرية قد نجحت في اجتياح الجانب الشرقي من العالم الإسلامي.

أرسل البابا إنوسنت الرابع سفارتين إلى المغول لتحقيق هذا الغرض، غير أنهما لم يكللا بالنجاح، فقد كان لخان المغول الأعظم رأيا آخر، إذ أرسل إلى البابا يطلب منه أن يعترف له بالسيادة، ويعلن خضوعه له هو وملوك أوروبا، بل طالبه بأن يأتي إلى بلاطه جميع ملوك أوروبا لتقديم الجزية باعتباره الخان الأعظم للتتر وسيد العالم بأسره.

لم يغير فشل مشروع التحالف الصليبي المغولي من الأمر شيئا، فأبحرت حملتها في خريف سنة 646هـ، 12448م من ميناء مارسيليا الفرنسي إلى جزيرة قبرص وظلت هناك فترة من الوقت، ثم أقلعت منها في ربيع العام التالي 647هـ، 1249م وأبحرت تجاه الشواطئ المصرية بعد أن استعدت جيدا، وبلغ عدد رجالها نحو خمسين ألف جندي في مقدمتهم أخوا الملك الفرنسي شارل دي أنجو وروبرت دي أرتو.

علم الصالح أيوب بأنباء تلك الحملة وهو في بلاد الشام وترامى إليه تجمع الحشود الصليبية في قبرص، واستعدادها لغزو مصر والاستيلاء عليها فرجع السلطان إلى مصر على الرغم من مرضه، وبدأ في ترتيب أوضاعه العسكرية وتحكي المصادر التاريخية الإسلامية أن أخبار تلك الحملة بلغت السلطان الصالح أيوب عن طريق أمبراطور إلمانيا فردريك الثاني، وكانت تربطه صداقة بالأيوبيين، فأرسل رسولا من قبله تنكر في زي تاجر ليحذر الملك الصالح من تلك الحملة ولما علم الصالح أيوب أن مدينة دمياط سوف تكون طريق الصليبيين المفضل لغزو مصر عسكر بجيوشه جنوبها في بلدى أشموم طناح التي تسمى الآن أشمون الرمان بمركز دكرنس التابع لمحافظة الدقهلية وأمر بتحصين المدينة وأرسل إليها جيشها بقيادة الأمير فخر الدين يوسف، وأمره أن يعسكر بساحلها الغربي، ليحول دون نزول العدو إلى الشاطئ، فنزل هناك تجاه المدينة وأصبح النيل بينه وبينها.

وصل الأسطول الصليبي إلى المياه المصرية أمام دمياط (20 من صفر 647هـ، من يونيو 1249م) وفي اليوم التالي نزل الصليبيون إلى البر الغربي للنيل، ووقعت بينهم وبين المسلمين مناوشات انسحب بعدها الأمير فخر الدين وقواته المكلفة بحماية المدينة إلى المعسكر السلطاني باشموم طناح، ولما رأى أهالي دمياط انسحاب الحامية فروا خائفين مذعورين، تاركين الجسر الذي يصل بين البر الغربي ودمياط قائما، فعبر عليه الصليبيون واحتلوا المدينة بسهولة، وهكذا سقطت دمياط في أيدي القوات الحملة الصليبية السابعة دون قتال.

استقبل الصالح أيوب أنباء سقوط دمياط بمزيج من الألم والغضب فأمر بنقل عدد من الفرسان الهاربين، وأنب الأمير فخر الدين على تهاونه وضعفه، واضطر إلى نقل معسكره إلى مدينة المنصورة، ورابطت السفن الحربية في النيل تجاه المدينة، وتوافد على المدينة أفواج من المجاهدين الذين نزحوا من بلاد الشام والمغرب الإسلامي واقتصر الأمر على الغارات التي يشنها الفدائيون المسلمون على معسكر الصليبيين واختطاف كل من تصل إليه أيديهم، وابتكروا لذلك وسائل تثير الدهشة والإعجاب، من ذلك أن مجاهدا من المسلمين قور بطيخة خضراء، وأدخل رأسه فيها ثم غطس في الماء إلى أن اقترب من معسكر الصليبيين فظنه بعضهم بطيخة عائمة في الماء، فلما نزل لأخذها خطفه الفدائي المسلم، وأتى به أسيرا، وتعددت مواكب أسرى الصليبيين في شوارع القاهرة على نحو زاد من حماسة الناس، ورفع معنويات المقاتلين إلى السماء، وفي الوقت نفسه قامت البحرية المصرية بحصار قوات الحملة وقطع خطوط إمدادها في فرع دمياط استمر هذا الوضع ستة أشهر منذ قدوم الحملة، ولويس التاسع ينتظر في دمياط قدوم أخيه الثالث كونت دي بواتييه، فلما حضر عقد الملك مجلسا للحرب لوضع خطة الزحف، واستقروا فيه على الزحف صوب القاهرة فخرجت قواتهم من دمياط في يوم السبت الموافق (12 من شعبان 647هـ، 20 من نوفمبر 1249م) وسارت سفنهم بحذائهم في فرع النيل، وبقيت في دمياط حامية صليبية.

وفي الوقت التي تحركت فيه الحملة الصليبية توفى الملك الصالح أيوب في ليلة النصف من شعبان سنة 647هـ، 22 من نوفمبر 1249م فقامت زوجته شجرة الدر بتدبير شئون الدولة بعد أن أخفت خبر موته خوفا من حدوث فتنة بين صفوف المسلمين، وفي الوقت نفسه أرسلت إلى تورنشاه ابن زوجها وولي عهده تحثه على الرحيل مغادرة حصن كيفا، بالقرب من حدود العراق، وعلى سرعة القدوم إلى مصر ليعتلي عرش البلاد خلفا لأبيه.

تسربت أنباء وفاة الملك الصالح أيوب إلى الصليبيين فبدأوا في التحرك، وتركوا دمياط، وزحفوا جنوبا على شاطئ النيل الشرقي لفرع دمياط، وسفنهم تسير حذاءهم في النيل، حتى وصولوا إلى بحر أو قناة أشموم المعروف اليوم باسم البحر الصغير، فصار على يمينهم فرع النيل، وأمامهم قناة أشموم التي تفصلهم عن معسكرات المسلمين القائمة عند مدينة المنصورة.

وتعين على الصليبيين لمواصلة الزحف أن يعبروا فرع دمياط أو قناة أشموم فاختار لويس التاسع القناة، فعبرها بمساعدة بعض الخونة، ولم يشعر المسلمون إلا والصليبيون يقتحمون معسكرهم، فانتشر الذعر بين الجند المصريين، واقتحم الصليبيون بقيادة روبرت أرتوا أحد أبواب المنصورة، ونجحوا في دخول المدينة وأخذوا يقتلون المصريين يمينا وشمالا حتى وصلت طلائعهم إلى أبواب قطر السلطان نفسه، وانتشروا في أزقة المدينة، حيث أخذ السلطان يرمونهم بالأحجار والطوب والأسهم.

وبينما هم على هذا الحال وظنوا أن النصر صار بين أيديهم حقيقة لا خيالا واطمأنت نفوسهم إلى هذا النجاح والظفر، انقض المماليك البحرية بقيادة بيبرس البندقداري على الصليبيين وهم في نشوتهم وغرورهم، فانقلب نصرهم إلى هزيمة، وأوسعهم المماليك قتلا حتى أهلكوهم عن آخرهم تقريبا بما في ذلك الكونت أرتوا نفسه.

وفي اليوم التالي لمعركة المنصورة عقد الأمير فارس الدين أقطاي القائد العام للجيش المصري مجلس الحرب، عرض فيه على ضباطه معطف الكونت أرتوا ظنا منه أنها سترة الملك، وأعلن أن مقتل الملك يتطلب مهاجمة الصليبيين على الفور، مبررا ذلك بقوله، أن شعبا بدون ملك، جسم بلا رأس، لا يخشى منه خطر، وعلى ذلك أعلن أنه سيهاجم الجيش الصليبي بلا تردد.

وفي فجر يوم الجمعة 8 من ذي القعدة 647هـ، 11 من فبراير 1250م بدأ الجيش المصري هجومه على معسكر الفرنج، واستخدم المماليك النار الأغريقية في هجومهم، لكن الملك لويس تمكن من الثبات بعد أن تكبد خسائر فادحة، وبذلك انتهت معركة المنصورة الثانية، وهي المعركة التي أيقن الصليبيون بعدها أنهم لن يستطيعوا البقاء في مراكزهم، وأن عليهم الانسحاب إلى دمياط قبل فوات الأوان.

لم تمض أيام بعد هذه المعركة حتى وصل تورانشاه في 23 من ذي القعدة 674هـ، 27 من فبراير 1250م وتولى قيادة الجيش، وأخذ في إعداد خطة لإجبار الملك لويس التاسع على التسليم، بقطع خط الرجعة على الفرنسيين، فأمر بنقل عدة سفن مفككة على ظهور الجمال وإنزالها خلف الخطوط الصليبية في النيل.

بهذه الوسيلة تمكنت الأساطيل المصرية من مهاجمة السفن الصليبية المحملة بالمؤن والأقوات، والاستيلاء عليها وأسر من فيها، وأدى هذا إلى سوء الحال بالفرنسيين، وحلول المجاعة بمعسكرهم وتفشى الأمراض والأوبئة بين الجنود، فطلب لويس التاسع الهدنة وتسليم دمياط في مقابل أن يأخذ الصليبيون بيت المقدس وبعض بلاد ساحل الشام ، فرفض المصريون ذلك وأصروا على مواصلة الجهاد.

لم يجد الصليبيون بدا من الانسحاب إلى دمياط تحت جنح الظلام، وأمر الملك بإزالة الجسر الذي على قناة أشموم، غير أنهم تعجلوا أمرهم، فسهوا عن قطع الجسر، فعبره المصريون في الحال، وتعقبوا الصليبيين، وطاردوهم حتى فارسكور، وأحدقوا به من كل جانب، وانقضوا عليهم انقضاض الصاعقة، وذلك في يوم الأربعاء الموافق 3 من المحرم سنة 648هـ، إبريل 1250م وقتلوا منهم أكثر من عشرة آلاف، وأسر عشرات الألوف، وكان من بين الأسرى أنفسهم الملك لويس التاسع نفسه، حيث تم أسره في قرية منية عبد الله، شمال مدينة المنصورة، وتم نقله إلى دار ابن لقمان، حيث بقى سجينا فترة من الزمان في دار القاضي فخر الدين ابن لقمان.

ومهد هذا الانتصار للمماليك البحرية الذين أبلوا بلاء حسنا، في مقاومة تلك الحملة أن يقيموا دولتهم على أنقاض الدولة الأيوبيين، في مصر فلم يكد يمضي شهر من تحقيق هذا النصر حتى تخلص المماليك من تورنشاه بالقتل، وأقاموا شجر الدر سلطانة على مصر، وكان ذلك إيذانا ببزوغ عصر دولة سلاطين المماليك في مصر والشام.‏  

     
 

E-mail    info@amouda.com

Webstats4U - Free web site statistics