ابراج

 

العاب

 

صور

 

مسلسلات

 

افلام

 

فيديو

 

اغاني

 

الرئيسية

 

 
 
 
 
 

 

 

زاكروس عثمان

 

 

رهائن لأي خطيئة  

 

 

25.01.2010

تغري البيئة المحلية بكيانها الطبيعي والبشري و التاريخي وخصوصيتها واستثناءاتها,الروائي  السوري هيثم حسين بمغامرة الكتابة عنها, في روايته " رهائن الخطيئة " ليرصد إيقاع حياتها,ويؤرخ للبسطاء والمهمشين, فالسرد الروائي  أكثر أمانة من السرد التاريخي,الذي يغفل الحقائق الهامة,والدقائق الحساسة متعمدا,فالرواية تصل عوالم غير مكتشفة,وتغذي فضول الإنسان المنجذب دائما إلى المجهول,هربا من رتابة ما هو مكتشف.  

يستخرج الكاتب صور من حياة جماعة بشرية وقعت فريسة لخطيئة كونية شرسة تستبد بهذه البيئة,لتنال من الجماد والكائنات والبشر,ولعل الضحية الأولى هو اسم مكان البيئة,الذي يحجب ذكره لأسباب تعود إلى الخطيئة نفسها,وهذا ما يكسب أحداثها رغم رتابتها  حياة نعيشها من خلال الوجوه التي نصادفها في الأزقة,وهي نفسها وجوه شخوص الرواية, فالبيئة المرسومة تجسد بقعة قائمة على الأرض,النطق باسمها يعتبر جريمة بالنسبة لدول ومجتمعات كثيرة,و لو سميت الأشياء بأسمائها في الرواية,ما كانت تجد طريقها إلى النشر,ليس لان الجهات الرسمية تمنع ذلك فحسب,بل كذلك لان ذائقة غالبية الشعوب لا تستسيغ مطالعة مادة أدبية تذكر اسم هذا المكان,ولهذا يقف الكاتب على هذه المعاناة,حتى يبين مقدار الم هذه الجماعة من سلوك عالم يستكثر عليها الاعتراف باسمها,في زمنا بات للكلاب أسماء وبطاقات هوية,فلا يبقى أمام المؤلف سوى اعتماد رموز وإشارات تدل على المكان واسمه,حيث يستعين بالجبال والغابات والحيوانات والأنهار والسهول والحقول التي لها امتدادها الواقعي,ليقحمها في بيئة الرواية,وكذلك فانه ينهل من أحداث تاريخية معينة,كنقطة علام لها خصوصيتها بالنسبة إلى المكان تساعد على تعريف الآخرين بها,ولكن أكثر ما يعتمد عليه في تعريف العالم بهذه البقعة المنبوذة,هو توظيفه المكثف للظواهر الاجتماعية والاقتصادية السائدة في مجتمع الرواية,حيث يتماها مع سرد حياة شخوص الرواية,ليرسم ملامح العلاقات القائمة بين أفراد مجتمع غير معترف به .

هذا الإنكار الكوني لتلك الجماعة يمثل عمق مأساتها,التي تشكل الفكرة المحورية للرواية,وهي تسرد حياة امرأة عجوز وطفلين نالت منهم الخطيئة فصيرتهم دون مشيئتهم مشردين,ليس لهم من مصير غير شتات الروح وضياع الجسد,كإشارة إلى الظلم التاريخي المزمن الذي يعانيه أبناء جلدتهم, فالعجوز بعد فرارها,امتنعت عن التعريف بنفسها,واحتفظت بسرها,لأنها اختبرت من تجارب سابقة سطوة الخطيئة التي تلاحقها, ففضلت أن تبقى مجهولة المنبت والنسب,أن تنكر ذاتها,لعل الخطيئة تكف عن ملاحقة الطفلين معها,حتى يكون مصيرهما أفضل من مصيرها الذي قضي في الشقاء,ولهذا بقيت العجوز طوال حياتها في خوف وقلق,فهي لا تؤمن جانب الخطيئة متى تأتيها بمصيبة غير متوقعة,ولا تملك وسيلة لتجنب شر القدر,غير التوسل و الصلاة,ولكن هيهات فاللعـنة تورث إلى الصبيين,لينالا كيتامى نصيبهما من الفقر والحرمان,وينخرطا في الإعمال الشاقة قبل أن يشتد ساعدهما كي يعيلا أنفسهما مع العجوز,ومع إنهما اتقاءا لأذى الخطيئة  دخلا سلك التصوف مبكرا,إلا أنها بقيت تلاحقهم ليحصدوا مزيدا من الخيبة والمرارة ,فالأول لضيق ذات اليد لا يجد سبيلا إلى إشباع غريزته الجنسية سوى بقبول الزواج من امرأة صماء,تنجب له طفلا يصبح أمل الجميع ليغير مصيرهم,ولكن الرجل الذي اعتقد أن الحظ قد حالفه صفعته الخطيئة,حين وضع كد عمره في صفقة تجارية,ليخسر كل شيء, ليدرك الإخوان بان مصيرهما مرهون بمشيئة اله ظالم أو شيطان جبار,فيتحول احدهما إلى الكفر ليقضي نحبه, ويقرر الآخر الاستسلام إلى القدر كليا ليلوذ بزي رجل دين,فتأخذ به الصدفة إلى الاقتران بفتاة متدينة كطريق إلى إشباع شهواته وملجأ لراحة نفسه,ولكن الخطيئة تمكنت منه بحرمانه من الإنجاب,وهذا شكل آخر من الموت مبطن,يحرم رهائن الخطيئة الفوز بلحظة سعادة,حيث يتمازج ماضيهم مع حاضرهم هيولى تجعل الأشياء ناقصة النمو,فلا يكون للمستقبل معنى غير الهلام,فالمكان شواذ في كل قاعدة,أو في كل ناموس طبيعي,والمقدمات تأتي بعكس النتائج المتوخاة,فالسعادة المتوقعة تتحول إلى أحزان,وكل بطل يتوقع منه الانتصار مآله هزيمة منكرة, وكل فجر ناصع تتلبده غيوم داكنة,حتى يخال أن الاهلون يصارعون المستحيل,فلا خلاص لهم سوى مزيدا من الشتات أو الموت,فالعجوز المثابرة قوية الشكيمة تموت برصاصة متعجرفة, والطفل المخـَلص تصده فوهات البنادق وصرخات الجنود التحذيرية,ليضيع على الحدود بين حشرجة العجوز وهي تفشي له بسرها,وبين حيرته بعدما أصبح وحيدا في اختيار درب يقوده إلى النجاة غير الذي ساق ذويه إلى التهلكة,تجرع الصبي مرارة الفقد والانعدام,فالخطيئة تلتفت إليه بعدما افترست أحبته,واستوطنت المكان واستعبدت موجوداته,فإذا بالحسرة جذوات تتوهج تحت رماد العقول والضمائر,في صيغة سؤال يقتلعه الناس من أغوار ذواتهم,ويرفعونه إلى اله أصم احتجاجا,بانتظار تفسير رباني لم يحظوا به قط,لتدفعهم وعورة الخطيئة الى مقت كينونتهم .

معاناة نتلمسها في هؤلاء الضحايا,الذين تنوب عنهم اللعنة في تقدير مسارات حياتهم,لتختار ساعة مولدهم,ونمط معاشهم,وكيفية تزاوجهم,ونوعية أعمالهم,وطريقة موتهم,صدفة عمياء تسوقهم  إلى المجهول مصيرا, فالكاتب يطعن فلسفة الغيب,حين يرشدنا إلى الضحايا,و يبقي الجاني فاعلا مجهولا,لا يفسر دوافعه,ولا يوضح غايته من إصراره على استهداف الجماعة ذاتها,ربما لأن الجاني كائن غير متوقع أو يكون ابسط التوقعات,أو يكون  تحالف جناة ...آلهة ...شياطين ...بشر,أو خصومة بين الجغرافية والتاريخ,وقد يكون المكان وسكانه يمارسون الخطيئة بحق أنفسهم,أو ربما كل الأشياء تتناوب على ارتكاب الإثم القديم,فالفاعل متغير و المفعول به ثابت,حيث تتفاعل عناصر الخطيئة بمقادير جدلية,تحتفظ  بالأهالي رهينة,في هذه البقعة  التي رغم حضورها المدوي تبقى عدما,بقراها المنسية,ومدنها المهملة,وناسها المقهورين , وبساتينها الثرة,وقطعانها المجحفلة,وتراثها الجلي, ليترجم كل واحد المأساة ألما بطريقته الخاصة,تاركا الصمت ليفضح الجاني,حين يمزق الرصاص صدر العجوز,التي تمثل نهاية  مرحلة من تاريخ الرهائن, ليدخلوا مرحلة جديدة تتبدى معالمها على وجه الصبي وجوما لاذعا كونه يدرك انه الهدف التالي للخطيئة,ويسود جوا من السكون والترقب, بينما المكان بكامل كيانه يصرخ في وجه الله ما هي الحكمة من تعذيب الأبرياء .  

sibasdar@gmail.com

 

 
 
 
 
 
 

E-mail    info@amouda.com

Webstats4U - Free web site statistics