ابراج

 

العاب

 

صور

 

مسلسلات

 

افلام

 

فيديو

 

اغاني

 

الرئيسية

 

 
 
 
 
 

 

 

هكذا تكلم سمو

 


المقدمة
" سمو " أو إسماعيل إي دين "
اسمان لشخصية واحدة، شخصية Îsmaîlê dîn
فذة، فريدة، عاتية، مبرقعة بجنون ذآي، وفطنة فيها من
الغفلة والجهل شيء آثير، وسلوك أرعن أحياناً وشرس
أيضاً طوراً. ففي طول البلاد وعرضها لا تجد أحداً لم
يطرق سمعه جرس أحد هذين الاسمين أوآليهما، وليس
من أحد لم تبلغ آذانه أحاديث وأخبار عن طرائفه،
وهفواته، ونتف عن مسيرة حياته الهامشية المشردة التي
اختارها لنفسه بمحض أرادته ومشيئته بعدما تزعزعت
ملكاته العقلية وأصابها العطب في سويدائها في حين من
الدهر، ولا ندري متى جرى ذلك على وجه الدقة، ولا
ندري أيضاً في أي مرحلة من مراحل سنواتهِ الطويلة
التي ناهزت تسعين عاماً، وجُّل ما نعرفه أن اعتلاله
العقلي آان وهو في أعوام عنفوان فتوته بسبب صدمة
عاطفية وأنه آان قبل ذلك يتمتع بأفضل ما يمكن لفتى أن
يتمتع به من فرط ذآاء وحدّة ذهن وسرعة بداهة وصفاء
قريحة، وقد بلغنا من رجال ثقاة أنه آان جريئاً مقداماً،
وآانت له مواقف اتسمت بالرجولة والمروءة .


لم يكن "مقطوعاً من Îsmaîlê dîn إن "سمو" أو
شجرة" آما قد يخيّل للبعض، وهو سليل أسرة ثرية
ميسورة الحال، صاحبة أراض، تسكن في مناطق
الدرباسية تنتمي إلى العشيرة "الكيكية" المعروفة بعراقتها
وأصالتها وفضلها.
آان هذا الرجل متنقلاً، آثير الترحال، لا يكاد يقيم في
مكان واحد وإن أقام، أقام زمناً قصيراً أو أياماً معدودة،
فهو ملول سأمان لا يصبر على المكث ولا يطيق لبثاً، لا
يقر له قرار ولا يستتب به المقام في مكان من الأمكنة أو
في زمان من الأزمنة إلا نهزة أو خلسة من الدهر. آان
يذرع الأرض الواسعة والمسافات الشاسعة راجلاً في
أآثر الأوقات أو ممتطياً حماراً يجول الحقول والسهول
( في أرياف عامودا والقامشلي والدرباسية ورأس عين( ١
والحسكة فلم يدع رقعة أو بقعة لم تطأها قدماه، وآان إذا
حط رحله في هذه المدن أو القرى المحيطة بها مكث فيها
يوماً أو بعض يوم ثم رحل عنها إلى مكان آخر فأمضى
نهاره وبات ليله. وهكذا آانت حياته آلها رحلة تعقبها
رحلة وحرآة دائبة لا تعرف هدنة أو سكوناً، وآأنّه موآل
بسبر المسافات ومعرفة المساحات.
إنَّ ما يذهلنا حقاً ويضيعنا في دائرة الشك واليقين
والريبة والحذر أن آل من تلقاه من هذه المدن وهذه القرى
المتناثرة، القصية والدانية يروي لنا طرفة من طرفهِ أو


نادرة من نوادره ويقول لنا: إن إسماعيل آان دائم
الحضور بيننا، لا يكاد يغيب عنا حتى تراه بعد عهد قريب
يحّل ضيفاً يوماً أو يومين ثم يمضي لغايته.
واستناداً إلى هذه الروايات الكثيرة – فلا غرْو – أن
نصاب بالدهشة والانبهار، إذ آيف يتأتي لشخص راجل
أو ممتطٍ دابةً من الدواب مهما آانت سرعة جربها أن
يسوح ويجول في ارض على غاية من الرحابة والاتساع،
على طرق لم تمهد للسير.
لقد آان "إسماعيل" فارع الطول حقاً وقد يتاح له أن
يسير سيراً حثيثاً بخطواته الرشيقة المتباعدة ولكن هذا
وذاك لا يضعان بين أيدينا جواباً شافياً برآن إليه ونرتاح
عنده ولا يجعلنا في جلٍ من طرح هذا السؤال الذي نراه
مربكاً ومحيراً:
- آيف استطاع هذا الرجل ذو الأطور الغريبة أن
يتحرك ويتنقل ويحقق قطع تلك الطرق الوعرة الطويلة
والسير ضمن مساحة تقاس بآلاف الكيلو مترات المربعة،
واثبات حضوره هنا وهناك في أوقات متقاربة، وظروف
تكاد تكون متزامنة؟ من البدهي أنَّ هذا الأمر لم يكن
ليتسنى له إنجازه وإن آان في حوزته من وسائط النقل
أآثرها تطوراً وحداثةً. فهل آان له قرناء يتقمصون
صورته، وهل آانت له أجنحة يحلق به أسئلة أخرى قد
يحفل بها البال ويزدحم بها الخاطر، ولكننا في اغلب الظن


لن نعثر على جواب عنها وسوف تظل مبهمة وغامضة
مادمنا نصدق أن شخصية سمو آانت شخصية حقيقية
سمعنا بها، ثم رأيناها رأي العين، وأصغينا إليها وسررنا
بصحبتها ومجالستها وحفظنا عنها أشياء آثيرة. قد
يحسب أولئك الذين لم تسعفهم الأيام بمشاهدته ولم تسعدهم
مخالطته أن الطرفة تنساب من خلال حديثه بين حين
وأخر، بيد أن وجوده، محض وجوده أو مجرد مثوله في
مجلس آان مثيراً للفكاهة. آان حضوره يشخّص الطرفة
ويجسّدها. وآان حديثه آله يندرج وينضوي تحت شعار
الفكاهة المجانية التي لا يبذل صاحبها من أجل
استحضارها إجهاد فكر أو إمعان تأمل.
آان إذا حضر مجلساً اتجهت إليه أبصار القوم،
وانقلب المجلس من حالة الجد والرزانة إلى الدعابة
والمزاح، ثم استأثر هذا الحضور بأفئدة الرجال، فهفت
أسماعهم إلى الإصغاء إلى الضيف الطارىء لتفعم نفوسهم
بالجذل والمسرة وتمتلئ بالابتهاج والحبور، إلى هذا
الضيف الذي شغل طلاب المتعة الهادئة بفكاهاته الثّرة
أمداً طويلاً. ولعل هذه الغزارة هي التي جعلت آثيرين
من الرواة لا يأبهون بها ففقد منها جم ممتع وضاع ما آان
ينبغي لهم أن يحفظوه، فلم يصلنا منها إلا القسم اليسير
والنزر القليل وأخيراً فإن "سمو" لم يكن مفطوراً على
العته والفهاهة والغفلة ولم يولد مجبولاً على الجنون


والهوس، إلا أنَّ ما ألمّ به وما أصيب به آان ثمرة هزة
وجدانية وصدمة عاطفية أو نكسة شعورية أو سوى ذلك
من ذرائع وأسباب آما ذآرنا، ليؤدي ذلك آله إلى فرز
نزوع نفسي جديد وظهور شخصية متفردة شاذة صارمة،
خارقة لأعراف الناس ومفاهيمهم صارت في ما بعد
أمثولة، وذآراً على آل شفةٍ ولسانٍ وحديثاً للتندر والتفكه
في المحافل والمجالس وشغلت الأذهان ردحاً من الزمن
وصارت نادرة من النوادر قد لا يجود بمثلها مرور الأيام
وتعاقب الأعوام.

١ هكذا في المعاجم وليس رأس العين.


السلع الخفيفة
يتحدث الصديق صلاح خليل "أبو خورشيد" عن
إسماعيل على الشكل التالي:
في تلك الأيام التي آنا نقيم في قرية سنجق خليل
القريبة من مدينة عامودا آان إسماعيل يتردد إلى القرية
حاملاً معه بعض السلع الخفيفة من فاآهة وثمار وهي آل
أموال تجارته التي آان يطوف بها على القرى فكان
الأهلي يتهافتون على لقائه ويحتفون به ويعابثونه ويجدون
في الإصغاء إليه والتحدث معه متعة وتسلية وتزجيه
للأوقات الرتيبة المتشابهة. حضر إلينا ذات يوم فالتف به
القرويون وحفوا به وسألوه عما في جعبته فقال:
- الآن قد جلبت لكم جوزاً من أفخر أضرابه .
- وآيف تبيعه وبكم؟ قال:
- أبيع آل إحدى وعشرين جوزة بليرةً
فجعل البعض يشترون وهم ينتقون الحبات الكبيرة
ويعدونها ثم يدفعون له ثمن بضاعته.
قال له احدهم مداعباً :
- أيها العم... أليس هذا السعر باهظاً ومجحفاً؟
فقال إسماعيل يدفع عن نفسه هذه التهمة في ثقة
واطمئنان:

 

12
- والله يا ابن أخي.. الحق أقول لكم.. لقد ابتعت آل
عشرين جوزة بليرة وأنا أبيع إحدى وعشرين جوزة بليرة
وهكذا ترون إن ربحي هو جوزة واحدة وحسب فهل
تستكثرون علي هذا الربح الزهيد.
"Bavê Kal - آي انتمي إلى أسرة " بافي آال
آان من دأب "إسماعيل آلما قدم إلى عامودا، خطر
له على بال أن يزور تكية الشيخ عفيف الحسيني" من
أسرة "بافي آال"
وفي احد الأيام وقد استتب المقام ب إسماعيل في
مجلس الشيخ هبّ إسماعيل بغتة وقال يخاطب الشيخ:
- أيها الشيخ عفيف.. جئتك اليوم لتعطيني "جاآيتا"
من ثيابك... فقال له الشيخ :
- أنك رجل ضخم وتعلم إن ثيابي تضيق بك فما
جدوى أن أعطيك "جاآيتا "
قال إسماعيل:
- إنني أعلم ذلك يا شيخي... وغايتي إن أعطيتني
"الجاآيت" غدوت فرداً في أسرة "بافي آال".

 

13
إنآم تذآروننا بما لا يخطر على بالنا
يروي هذه الطرفة أحد أبناء أسرة النجاري
Kûçikê متحدثاً عن أيام الصبا إبان أقامته في قرية
القريبة من عامودا: في تلك الأيام عندما آنت أقيم مع
آان إسماعيل قد اعتاد Kûçikê أسرة والدي في قرية
على زيارة القرية بين حين وآخر وفي يوم من أيام
الصيف القائظ وإذ نحن جلوسٌ على مصطبة في باحة
المضافة شاهدنا "إسماعيل مقبلاً في أسماله المغبرة
واطماره الرثة. يسير متأوداً مترنحاً وما إن صعد
المصطبة حتى جلس في أخريات الناس متهالكاً... وقد بدا
عليه الوهن والجوع إذ آان يحدق في وعاء اللبنية
"الميّر"..... وأدرك ذلك الحاضرون فقال أحدهم: لعلك لم
تذق طعاماً منذ أمد؟ فقال:
- وآيف عرفت ذلك؟
- عرفت ذلك من آثرة تحديقك في طست اللبنية.
- ثم أنهم وضعوا الوعاء بين يديه وجعل يأآل دون
شهيته آبيرة.
- (طعام يطبخ من القمح في اللبن المخيض) وفي هذه
الأثناء حضر والدي فألفى "إسماعيل" منكباً على "اللبنية"
فأراد أن يمازحه قائلاً :

 

14
- هذا صاحبكم إسماعيل قد جاءآم ضيفاً وها انتم لم
تقدموا له قرىً يليق به. وما أراآم إلاّ قد ألوْتم وقصرتم
في تكريمه... أهكذا تستقبلون ضيفكم؟ ويحْكُم ألم تجدوا
طعاماً آخر غير هذا "الميّر" الحامض تقرون به ضيوفكم
هلا أيتموه بطعام شهي ولذيذ غير هذا ألميّر ما ضرآم لو
أطعمتموه لحماً أو بيضاً مقلياً؟ إنني لو آنت مكانه
لبادرت إلى سكب ما في هذه الصحفة فلما سمع إسماعيل
هذا الكلام وأصغى إليه وقد فهم مغزاه توقف عن الأآل ثم
نهض على عجل ورفع الإناء وذهب به إلى حافة
المصطبة وأراق ما فيه ثم وضع القصعة الفارغة على
الأرض ورآلها وقذف بها بعيداً ثم وقف منتصب القامة
وابتسم راضياً عما فعل آالمحارب يخرج من ساحة
المعرآة منتصراً وقال :
- سامحكم الله ورضي عنكم.. إنكم لتذآروننا بما لا
يخطر على بالنا .

 

15
أهذا الحين حين تحيتآم
يروي هذه الطرفة الشيخ (؟) قائلاً آالآتي:
بينما آنت سائراً في احد الأيام ذاهباً لأداء بعض
أعمالي، شاهدت "إسماعيل" قادماً مهرْولاً يكثر من
الالتفات إلى الوراء ثم رأيت بعض الصبية يسيرون خلفه
ينادون، ويهتفون باسمه وآان الغضب قد بلغ به مبلغاً
عظيماً أخرجه من طوره وأوصله إلى ذروة هيجانه وقد
آان "إسماعيل " بطبيعته ناقماً على الصغار لكثرة ما ينال
منهم من السخرية والإزعاج والأذى أحياناً. لا يطيق
رؤيتهم فهو يمقتهم أشد المقت، ويكره أن يخالطوه
ويعاشروه ويكره أن يخالطهم ويعاشرهم.
ولما دنا مني ودنوت منه وأصبحنا قاب قوسين أمام
دار المحكمة أسرعت إلى تحيته آي أخفف عنه هذا الهم
الذي يعانيه من أولئك الأطفال المطاردين. قائلاً:
"السلام عليكم أيها الأخ "إسماعيل" فقال في نزق
واستياء وآأنه لا يعرفني:
Ma niha wexta salam eleykuma te ye ?
وهل هذا الحين حين تحيتكم؟

 

16
عندئذ تابعت سيري وترآته وشأنه في المعمعة مع
المشاغبين الصغار وأنا أناجي نفسي:
"لا تتريب عليه.. إنه إسماعيل وماذا عسانا أن نرجو
منه " .

 

17
إن اقتنصتم بازياً أو نسراً فائتوني به حياً
خرجنا مرة – في أواخر فصل الخريف – مع ثلة من
الرفاق إلى قرية عوينيك بدعوة من الصديق عبد الرحمن
يوسف الحجي نجل صاحب القرية الأستاذ حسن عبد
الرحمن للاستمتاع بمناخ القرية حيث توجد فيها غابة
صغيرة من الأشجار المثمرة وسواها تتخلها الجداول
والينابيع المتدفقة بماء عذب زلال وهكذا أمضينا شطراً
من النهار متجولين بين الأشجار أو جالسين إلى ضفة
النهر ...
ومن البدهي أن تكون الأشجار مأوى لبعض الطيور
الصغيرة ولا سيما في الليالي الباردة. فلما آان الغسق
أراد البعض أن يعودوا إلى الشجر لصيد الطيور التي تلوذ
بالأشجار بواسطة المصابيح اليدوية " بيل " والأهم من
هذا وذاك أن " إسماعيل " آان قد وصل إلى القرية في
أصيل ذلك اليوم ثم جاء في اللحظة التي آان الرفاق
يتأهبون للخروج بغية الصيد، وإذ انكشف له الأمر وبانت
جلية الخبر قال متلهفاً:
"أرجوآم أيها الأخوة.. إن أنتم اصطدتم بازياً أو نسراً
فائتوني به حياً ولا تمسوه بأذى" وجعل يكرر ذلك ويلح
ويلحف، ثم يقول ويكرر القول: خذوا العصافير وسائر

 

18
الطيور.. افعلوا بها ما تشاؤون ولكن دعوا البزاة والنسور
لي، إياآم أن تمسوها بسوء ..
"ماذا تنوي أن تضع بالبزاة والنسور" قال:
إن حصلت على بازي فربما بعته بليرة .

 

19
عمود الهاتف هذا يشهد بذلك
يقول الصديق الحاج مجول حاج جولو المقيم في
قرية "هرم حسن"المجاوزة لقرية" برآو" في يوم زاهٍ من
أيام الربيع آنت قد خرجت للتنزه بين السهول استمتع
بالأنسام العليلة وأمتع البصر بمشاهد الربيع الخلابة ولما
بلغ مني التجول الجهد افترشت العشب القشيب وجلست
قريباً من عمود من عمد أسلاك الهاتف وأسندت إليه
ظهري لأنفي عن بدني الرهق والتعب ولم ألبث إلاّ قليلاً
حتى أطل عليّ إسماعيل بقامته الفارعة متدثراً بعباءة
سميكة بيضاء من الصوف وللوهلة الأولى لم ادر هل
انشقت عنه الأرض أو هبط عليّ من السماء. وقد آان
سروري بلقائه لأحدّ له فقد جاءني من يسليني مجاناً دون
أن أسعى في طلبه أو أبذل عناءً في استحضاره .
وبعد أن حياني جلس ازائي وتجاذبنا أطرف
الأحاديث فأتكلف في التحدث إليه خشية أن استفزه أو
اخدش إحساسه فأخسر صحبته واحرم نفسي من مسرة
جاءت تسعى إليّ على أجنحتها وأقدامها مرت ساعة نحن
نخوض في أحاديث متنافرة مفككه ليس لها عمات أو
خالات، ولا رابط بينها فلما اطمأن إلى عنايتي به قال:
- هل علمت أنني خطبت امرأة؟ قلت

 

20
- بالرفاة والبنين .
- ولكن مهرها لم يكتمل بعد، وأنا افتقر الآن إلى
خمسة وعشرين قرشاً حتى يبلغ المهر نصابه وأرجو أن
أجد هذا المبلغ عندك قرضاً حسناً على أن أرده إليك في
ميسرة
- قلت عابثاً آي أثير بعض نوازعه :
- قد لا ترده إليّ ألبنه، وقد تسوّل لك نفسك أن تنكره
وليس بيننا شهود.
- لا بأس.. وليطمئن بالك فأنني أشهد على ذلك هذا
العمود. قال ذلك وهو يوميء بيده إلى عمود الهاتف الذي
آنت أسند إليه ظهري. ثم تابع الحديث:
- ألا يرضيك هذا؟
- فهل ارتاحت نفسك الآن؟
فماذا تبتغي مني بعد ذلك؟ أليس هذا عدلاً؟
وفي هذه اللحظة آان يحلق في الجو طائر ضخم
الجثة وقد فرد جناحيه فلما أبصره إسماعيل قال:
وهذا الطائر يكفلني ويشهد على وعدي.

 

21
أرأيتم آيف سبقتآم
يروي هذه الطرفة المفكر: عبد الرزاق ملا حمزة
متحدثاً عن غابر أيام طفولته في قرية "قزانبوك" الواقعة
على تخوم عامودا على طريقته الخاصة:
آنا نقطن قرية "قزانبوك" في تلك الأيام الخوالي،
فكنت وأترابي من اليافعين والصبيان لا هم لنا سوى
اللعب واللهو والعبث ولا سيما في فصل الصيف فنجري
بين الأزقة أو نخرج إلى ظاهر القرية وآنا نكثر من
التردد إلى قرية "عوينيك" المتاخمة لقريتنا للاستمتاع
بمياه النهر وظل الأشجار، ننتقل من مكان إلى مكان حتى
دهمنا الملل من الجري واللعب عدنا إلى بيوتنا قبل حلول
المساء .
وآدأ بنا خرجنا مرة إلى "عوينيك" وليس من ناقلة
القول أن نتذآر بئراً مهجورة على مشارق القرية استغنى
عنها صاحبها وأهملها إهمالاً ذريعاً فتهدمت ولم يبق في
قعرها القريب من سطح الأرض بفعل الردم ورآام التربة
سوى وشل من الماء، وقد خطر على بالنا في ذلك اليوم
بعد وصولنا إلى "عوينيك" أن نذهب إلى هذا القليب
ونشبع فضولنا بالنظر إلى داخله فما راعنا إلاّ أن وجدنا
"إسماعيل" مضطجعاً يبترد من وهج الشمس وقيظ

 

22
الظهيرة وقد تعرى من جميع ثيابه، فصرخنا وولينا
الأدبار وقد امتلأت نفوسنا هولاً ورعباً ولم نكد نبتعد قليلاً
عن البئر حتى شعرنا بإسماعيل عارياً يدبّ وراءنا ويجدّ
في اللحاق بنا... فلم نملك من أمرنا سوى الصراخ
والعويل والولولة مستنجدين مستغيثين بالمجهول يادى..
ولكنه لم يرأف بنا وظل جاداً في yadê.. yabo يابو
اقتفاء أثرنا... لقد آانت خطواتنا قصيرة وصغيرة وآانت
خطواته واسعة عريضة فما لبث أن لحق بنا دون أن
يتوقف وظل يسابقنا حتى
تجاوزنا شوطاً فكفَّ عن الجري ثم التفت إلينا بكليته
في زهو وخيلاء وقال:
- أرأيتم أيها الفتيان آيف استطعت أن أسبقكم ؛ ثم عاد
أدراجه إلى مثواه في القليب المتهدم، وحثثنا الخطى
عائدين إلى "قرانبوك" ومازال بين جوانحنا شيء آثير
من الفزع والخوف وشيء آثير جداً من الدهشة والعجب
والذهول من ذاك السلوك الغريب.
ومهما يكن فأن "إسماعيل" لم يكن مليماً، فقد أراد أن
يشارآنا اللعب وأن يبرهن على تفوقه علينا في الجري،
أما أن يرهبنا ويرعبنا أو يؤذينا فتلك أمور لم تخطر له
على بال آنذاك.

 

23
أما الآن فاذهب راشداً ودعك عما سلف
وهذه طرفة أخرى عن صاحبنا "إسماعيل" يرويها
المفكر: عبد الرزاق ملا حمزة على هذا النسق:
آنت ما أزال يافعاً أتعلم في إحدى المدارس الابتدائية
في عامودا وآنت أتنقل بين عامودا وقريتنا قزابوك
القريبة منها بدواعي الدراسة أو لشراء بعض السلع من
المدينة أو بيع ما ينتجه الريف من بيض ولبن وسواهما..
وقد آان تعاملنا مع السوق أشبه بالمقايضة... وآان ذاك
التنقل سيراً على الإقدام في أيام البلل والأوحال.. أو على
الدراجة الهوائية التي ابتاعها لي والدي لهذا الغرض.
وذات أصيل يوم من أيام الشتاء آنت عائداً إلى
"قزانبوك" ماشياً بسبب الطرق الترابية التي تتحول إلى
وحلية في موسم الأمطار... ولما وصلت إلى طريق القرية
شاهدت إسماعيل: بغنة على قارعة الطريق فخامرني منه
الخوف فتباطأت وتأخرت عن اللحاق به خشية مقابلته،
فعرف ترددي وأدرك أنني أخشى لقاءه والدنو منه فقال:
- يا ابن أخي.. هلم إلي... يبدو أن طريقنا واحد..
ألست قاصداً قزانبوك؛ تعال ولا تخف.. فانا عمك.. إن
والدك: محمد ملا حمزة هو صديقي الحميم.. إنه آأخ لي..
لعلك لا تعرفني؟ إنني عمك إسماعيل فلم هذا الخوف

 

24
والإحجام؟ في تلك اللحظة احسست أن تلك السهول
الرحيبة تضيق بي.. فها هو إسماعيل يحاصرني وآذا
أوحال الطريق والشقة التي تفصلني عن القرية.. إنني إذن
محاصر مطوق من آافة الجهات والإطراف... حرت في
أمري آنت شديد الحيرة.. تمنيت آنذاك إن أآون طائراً..
فراشة.. جرادة أيّ آائن ذي جناح أستطيع التحليق به
فراراً من هذا المارد الذي يصدني ويسدّ عليّ مسالكي..
فلما لم أجد مندوحة من الإذعان وبعد أن فقدت آل أمل في
النجاة ولم أجد منفذاً للخلاص ولم أجد بداً من الطاعة
تقدمت منه حتى حاذيته..
سرنا باتجاه القرية يبلل ثيابنا رذاذ خفيف، والأوحال
تتشبث بإقدامنا آالغراء فما ننتزعها إلا بعد لأيٍ آنت
فقدت آل أمل ورجاء من النجاة فها أنا مفرد بين يدي هذا
الهمجي الذي لا أتوقع منه سوى الشر ولا ادري متى
سينقض عليَ فبدأت أتذرع بالأماني فأرجو وأتمنى أن
يظهر لي عابر سبيل أستجير به أوقاطع طريق أو لص أو
جني أو غول من الغيلان أو آائن من الكائنات استجير به
ولكن شيئاً من ذلك لم يحدث ولم تتحقق أمنية من هذه
الأمنيات الكاذبة التي لا يمكن أن تتحقق في يوم من الأيام
فاستسلمت أخيراً استسلاماً ذريعاً ومهيناً لهذا الكابوس.
سرنا خطوات فشرع "إسماعيل" يلقي على مسمعي
حديثاً رصيناً واستهل حديثه بمواعظه:

 

25
- أصخ إليّ السمع يا ابن أخي.. اعلم إنني عمك
"إسماعيل" فاحفظ هذا جيداً.. إن والدك هو صديقي
الحميم وأخي العزيز وينبغي لك أن تطيعه وتبرَّه ولا
تعص له أمراً. إن طلب إليك إن تلقي بنفسك في جب فلا
ترفض له سؤله وإياك أن تتوانى أو تتقاعس... وجدّك
وجدتك فأطعهما وامتثل لأمرهما... ولا تتسلل في غفلة
من الناس إلى قن الدجاج لتختلس بيضة أو تسرق
بيضتين... ولا تدخل مقثأة "بستان" الآخرين آي تتسنى
لك سرقة بطيخة أو ثمرة فثاء لقد قال الله تعالى "لا
تسرقوا حتى لا تدخلوا النار"... ولا تنس يا بن أخي أن
تطعم دجاجاتك في آل صباح ولا تنس أيضاً أن تهيئ
معالف سخلاتك وحملانك وتضع فيها العلف آل صباح...
وضع سطل الماء أمام بقرتك حتى ترتوي جيداً وتدر
حليباً غزيراً فإذا لم تفعل ذلك هزلت سخلاتك ونحفت
خرافك وشح حليب بقرتك فلا تهمل هذا حتى يحبك أهلك
جميعاً.. ومتى وصلت إلى القرية وذهبت إلى البيت فانقل
تحياتي إلى والدك وقل له: إن أخاك " إسماعيل " في غاية
الاشتياق إليك .تحت هذا الخوف المريع والهواجس
المرعبة والأمنيات الكاذبة وصلنا إلى مسقفات القرية
فتنفست الصعداء وعادت إليَّ رباطة جأشي وأفرخ روعي
فقلت بدافع من الخوف وبدافع من فرحتي بالخلاص وهو

 

26
أول آلام انطق به طيلة هذا المشوار الذي بدا لي عنيفاً
وطويلاً وشاقاً أشد ما يكون العنف والطول والمشقة:
- الآن فلتتفضل بالذهاب إلى بيتنا .
وما أن نطقت بهذه الكلمات حتى رأيته ينظر إليّ
شزراً ويقول في قسوة وشراسة:
- انظر أيها الفتى.. إنني منذ خروجنا من عامودا
وحتى وصولنا إلى هنا لم أبالِ بشأنك ولم أحاسبك..
فامض إلى غايتك راشداً ودع عنك ما سلف قبل أن تنهل
من عينيك العبرات وقبل أن أصفعك على صفحة
وجهك... لقد تمهلت اليوم وغلوت في الرفق بك ...
فاغرب عن وجهي سريعاً قبل أن يمسك مني عذاب
اليم.

 

27
لقد برئت من جنوني
قائلاً: gerrûto " يروي هذه الحادثة " محمد علي
زار "سمو مرة أسرة شقيقه في قرية" من أعمال
"الدرباسية" فاستقبلته رَبة الدار برحابة صدر وحفاوة فهو
ضيفها وشقيق زوجها ولما سألته عن أحواله قال :
- إنني بإلف خير وقد برئت اليوم من جنوني وليس
بي بأس بعد الآن وآلنا بخير.
سُرّت المرأة المضيفة من حديث الرجل الضيف
وازدادت به احتفاءً فعمدت إلى طبخ برغل وأحسنت سلقه
وغمرته بالسمن البلدي ووضعت عليه وفراً من لحم
الدجاج المقلي وقدمته عشاءً فتناول "سمو" طعامه حتى
رضيت نفسه واحتسى بعد ذلك آؤوساً من الشاي الساخن
فلما نال وطره من الطعام والشراب دبّ الخدر إلى جسمه
وداعب النعاس عينه فأوى إلى الفراش الفاره الوثير الذي
أعدته له زوجة أخيه وقد أآرمت مثواه .
وبعد أن انصرم من الليل الهزيع الأخير استفاق وقد
حصره الغائط فلم ينشط للنهوض فتغوط على الفراش
وأسدل عليه اللحاق فلما أحس بالراحة ثاب إليه وعيه
وأدرك مدى سوء فعلته ولم يدرِ ماذا يصنع بعد ذلك

28
فأطلق ساقيه للريح وخرج لا يلوى على شيء مغادراً
موقع جريرته المنكره.
في الصباح الباآر استيقظت ربة الدار وتفرغت
لبعض شؤونها ثم ذهبت تتفقد أحوال ضيفها فوجدت
الفراش خاوياً وظنت الرجل خارجاً لأمر ما وإنه عائد لا
محالة فكانت تحدث نفسها مشفقة:
((ليته تناول فطوراً)) ثم غادر فلما أبطأ عليها رفعت
اللحاف فكادت أن تصعق وظلت ذاهلة لا تفهم شيئاً مما
جرى ثم خاطبت نفسها بصوت خافت أقرب إلى الهمس :
- الآن أيقنت أنه بريء من جنونه وأنني آنت مجنونة
حين ألقيت السمع إلى دعواه وصدقته. تباً لغبائي.

 

29
إن شربتم غدوتم مثلي
وإذا شربت فمثل من سأآون
يقال أن ثلة من الفتيان آانوا يتعاطون الخمر في احد
البساتين وآان الوقت ربيعاً تحت ظل الأشجار وأمامهم
الكؤوس ومائدتهم زاخرة بالأطعمة الشهية والأفاويه فمر
بهم "سمو" فدعوه إلى مشارآتهم فأسرع إلى الجلوس وبدأ
يأآل ثم أنهم أترعوا له آأساً من "العرق" وقدموها له
وقالوا له :
- هيا اشرب .
لكنه أحجم عن تناولها وأبى أن يشرب فألحوا عليه
وحاولوا أن ينزلوه على رغبتهم فلم يفلحوا فظلوا يشددون
عليه في الطلب دون جدوى فضاقوا بإبائه وضاق بإلحافهم
ولكي يحسم الأمر ويقطع دابر هذا الخلاف قال لهم:
- آأني أراآم بلا عقول.. فهل انتم أيضاً مجانين؟
إنكم تشربون فتتشبهون بي فإذا شربت فبمن سأتشبه.

 

30
البحث عن التبغ
تروى هذه الطرفة على سبيل التواتر آالآتي :
بينما آان "سمو" قد وصل إلى مشارف عامودا
صادفته فرقة مسلحة من رجال "الريجي" المكافحة فأراد
قائد المجموعة التي تمتطي الخيول – إذ آانت الخيول
الوسيلة الوحيدة لتنقل رجال الريجي ..
ويطلق اسم "قولجي" على أفراد هذا السلك – أن
يعابث سمو فلعله يفضي إليه بمكان "التبغ القجاغ" أي
المحظور أو المهرّب من الأراضي الترآية إلى عامودا
المصاقبة للحدود وبعد حوار عبثي سأله آبير الجماعة:
- يا أخانا "إسماعيل" ألا تدري أين يوجد التبغ
المهّرب؟ فقال إسماعيل دون تلكؤ أو تردد:
- وآيف لا أدري.. فأنا الذي اعرف مكانه.
تهلل وجه الضابط وسرته هذه الاستجابة السريعة من
سمو فعاد إلى القول ؛
- هيا قل لنا أين يوجد.
سكت "سمو" برهة ولم يحر جواباً .
فأعاد عليه الطلب قائلاً :
- هيا أسرع إلى القول وبين لنا مكانه وسوف نكافئك..
سنعطيك ما تشاء.

 

31
قال سمو:
- ماذا ستعطونني؟
قال الضابط
- سنعطيك "خمس ليرات " آاملة.. ألا يرضيك هذا؟
- بلى.. هذا يرضيني.. ولكن هاتها وضعها في يدي
مقدماً حتى يطمئن بالي .
دس "القولجي" يده في جيبه وأخرج خمس ليرات
ووضعها في يد "سمو" فتناولها منه ووضعها في جيبه
وعندئذ قال له رجل المكافحة :
- ها قد وفينا بوعدنا وأعطيناك سؤلك فأخبرنا عن
المكان الذي يُخبّأ فيه التبغ حتى تفي بوعدك ونحن أخوة
وأصدقاء. قال "سمو" وهو يوميء بيده إلى ما وراء
الحدود الفاصلة حيث تقع جبال طوروس :
- فلتنظروا معي الآن فإنني ضعيف البصر وأشكو
من قلة الرؤية.. انظروا إلى هناك فوق تلك الهضبة..
وسوف ترون قرية "غُرْس" فأسرعوا.. وإياآم الإبطاء..
انطلقوا إليها الآن قبل أن يسبقكم إليها رجال آخرون من
"الريجي" ويستولوا على ذلك التبغ الفاخر ويحرموآم منه
فإنكم تعلمون أن التبغ "الغرسي" من أجود التبوغ
وأفخرها .

 

32
سينآلون بي قبل أن يآتشفوا جنوني
لم يكن "سمو" يحمل أوراقاً تثبت شخصيته فكان
يتجنب اللقاء برجال الشرطة ويحاول جاهداً الابتعاد عنهم
خشية أن يتعرض لمأزق من الأسئلة يتعذر عليه الخروج
منه، لذلك دأب على اللجوء إلى مكتب محام في عامودا
يطلب إليه أن يحرر له آتاباً يبرزه للشرطي متى اضطر
إلى ذلك، ويدون عليه عبارة: "هذا الرجل مجنون " فكان
هذا المحامي يسايره ويجامله وينزل عند رغبته ويكتب له
على ورقة بيضاء نصاً قصيراً يتضمن: "إلى من يهمه
الأمر".
إن حامل هذا الكتاب يدعى إسماعيل أو " سمو " وهو
رجل معتوه ومجنون يرجى الابتعاد عنه فقد ينالكم منه
الأذى لم يكن "سمو" يفتقر إلى مثل هذه البطاقة فقد آان
مظهره المزري يفشي مخبره وينم عن حقيقة حاله. ولكنه
آان يطيب نفساً بهذه الورقة التي لا تحمل توقيعاً أو خاتماً
أو تاريخاً فيحشرها بين أطماره ثم تمر الأيام وتتهرأ
الورقة أو تضيع فيعود إلى المحامي يلتمس منه ورقة
أخرى ويلح عليه أن يدون عليها عبارة "هذا الرجل
مجنون" فلا يسع المحامي إلا تلبية طلبه فيمضي ويغيب
أياماً وتتهرأ الورقة أو تضيع فيعود أدراجه إلى مكتب

 

33
صاحبه المحامي مجدداً رغبته في الحصول على
"بطاقته" الشخصية التي ألف المحامي صياغتها .
آان هذا المحامي دمث الخلق حسن العشرة محباً
للطرفة ذوّاقاً للنكتة فلم يضق ذرعاً ب "سمو" وطلبه،
وربما ضاق ذرعاً بذهابه ولكنه لم يضق يوماً بإيابه
وحضوره، ومن ذا الذي يضيق ب "سمو" وطرائفه
وغرائب أحاديثه، إلا أنه قال له بعد أن دعاه سمو إلى
منحه بطاقة شخصية جديدة :
- أيها الأخ.. يا أخانا إسماعيل.. ما افتقارك إلى مثل
هذه الورقة فإن مظهرك يوحي للرائي بحقيقتك ويشهد
بجنونك. فلما ذا ترهق نفسك بشيء لا ينفعك ولا يفيدك
فتيلاً... ومتى رآك الشرطي عرفك ولم يسائلك لأنه
سيعرفك حق المعرفة.
تنهد "سمو" تنهداً عميقاً وزفر زفرة طويلة وقال
متحسراً متأوهاً:
- ولكنهم إلى أن يعرفوا أنني مجنون، سوف
يشبعونني ضرباً وتبريحاً وسيذيقونني من النكال ما لا
طاقة لي به. فتناول قلمك الآن وحرر لي بطاقةً، ولا
تشمت بي الشانئين والأعداء.

 

34
Akmek berê xwe bi Tennûrê vek
ذاك هو الرغيف فتوجه إلى التنور
ينسج خيوط رواية هذه الطرفة: الشيخ شهاب
الحسيني على المنوال التالي :
وفد سمو ذات مرة إلينا في قرية برآو فوقاني "برآو
الشيخ" وآان الفصل ربيعاً وآان وصوله إلى القرية
متزامناً مع جلوس بعض الرجال على الأعشاب فوق
بيادر القرية فحيانا وجلس غير بعيد عن الجالسين دون أن
يدعوه إلى الجلوس أحد من الحاضرين ....
آان يبدو في المشهد تنور القرية وقد حفّت به نسوة
من القرية يسعين إلى إيفاده وقد جلبن عجينهن للخبز، وبدا
لنا " سمو " قلقلاًَ، تعباً من وعثاء السير، وخيّل إلينا أن
الجوع قد مضّه وأضناه إذ آان يرنو إلى ناحية التنور
ويطيل التحديق وما أن يلتفت إلينا حتى بعود إلى إرسال
نظراته الساغبة إلى موقع التنور... مرت فترة وهو
مضطرب بين الإلتفات إلينا وبين التنور الواعد بخبز
ساخن يسكت جوعه ثم هبت نسمة عليلة من جانب التنور
حملت إلى خياشيمه شذي العجين المخبوز الخارج تواً من
مخبزه فلم يطيق مزيداً من الاصطبار فهب منتصباً على
ساقيه الطويلتين وجعل يمشي جيئة وذهاباً وقال:

 

35
Ekmek berê xwe bi Tenûrê vek
"ذاك هو الرغيف فتوجه إلى التنور"
ثم جرى بكل ما في ساقيه من عنفوان صوب التنور
واختطف رغيفاً وعاد أدراجه، فعاتبه البعض قائلين:
آنا سنأتيك بخبز وسواه من طعام.
فقال: أليس لكم إلمام باللغة الترآية... عندما يجوع
الجنود الأتراك هكذا يوعز إليهم آبيرهم آي يقصدوا
التنور ويجلب آل فرد منهم رغيفاً واحداً، ولا يسمح له أن
يمس بيده رغيفاً أخر، وقد رأيتم آيف اقتديت بهم ولم
اجلب سوى رغيف واحد وحسب، لأنني أفضل هذه
الطريقة

 

36
عشرة قروش
هذه الحكاية من حياآة الصديق: عبد الرحمن حسن
يوسف الحجي الذي يقول: خرجت مرة من عامودا إلى
القامشلي، ولما توغلت في المدينة وأنا على أهبة عبور
النهر من فوق الجسر المنصوب على النهر "جغجغ"
بدا pick up للذهاب إلى القسم الغربي تقلني سيارتي ال
لي شبح خيل إلى أنه "سمو" فلما دنوت منه تأآد لي إنّ
نظري لم يكذبني وأن ذلك الطيف لم يكن شخصاً سواه .
آان قد فرش على رصيف الجسر حشية من الإسفنج
وهو منكب على الحشية يدس يده تحتها هنا وهناك وآأنه
يبحث عن شيء فتريثت عنده قليلاً وقلت... يا أخي
إسماعيل عم تبحث؟ فقال دون أن يكف عن التنقيب ودون
أن يرفع إليّ رأسه والاهتياج بادٍ عليه :
- لست ادري ماذا أفعل يا بن أخي.. فقد طرح آلب
ابن آلب خمسة قروش لا اعلم أين سقطت وها أنا ابحث
عنها ولا أعثر عليها فاعطني عشرة قروش الآن حتى
اآف عن البحث عنها.

 

37
إن بعتك هذا البطيخ
فماذا سأبيع بعد ذلك أيها الأحمق
نسمع هذه الرواية من الدآتور: جابر داود على الشكل
التالي:
آان إسماعيل في بعض الأيام قد وضع أمامه عدداً
من البطيخ الأحمر يعرضه للبيع في شارع من شوارع
عامودا، يهتف بالسابلة ويدعوهم إلى الشراء :
- هلمّ إلى البطيخ الأحمر "الجبس" هلم إلى البطيخ
الأحمر الحلو... هلم إلى البطيخ الرخيص... تعالوا قبل
أن ينفد وتندموا... مرت فترة طويلة ولم يستطيع أن يبيع
من البطيخ شيئاً، وآان قد لفت
نظر أحد الناس ولعله آان يراقبه فأشفق عليه وأراد
أن ينقذه مما هو فيه فتقدم منه وقال:
- أرى أن بطيخك مازال في محله.. فبكم تبيع البطيخ؟
قال إسماعيل
- أبيع البطيخة الواحدة بخمسة قروش
فقال له الرجل
- وآم لديك من البطيخ؟
قال إسماعيل

 

38
- لدّي خمس بطيخات.. وإن آنت في شك فما عليك
ألا أن تعدها.
قال الرجل مسايراً
- لا بأس، ها قد انتهيت من عدها.. حقاً إنها خمس
بطيخات فخذ ثمنها ودعني آخذها.
فقال "سمو"
- هذا لا يجوز
قال الرجل :
- ولماذا لا يجوز
قال "سمو"
- وهل جننت أنت أيضاً؟ إن بعتك هذا البطيخ وذهبت
به فماذا سأبيع بعد ذلك؟

 

39
البصل و العجور
التقى "سمو" على مفترق طريقين بامرأة قادمة من
عامودا متجهة إلى قريتها بعد أن اشترت بصلاً من
السوق، ولم يكن الفصل زمن ظهور العجور، وسار معها
مسافة ثم سألها:
- ماذا تحملين على آتفك في هذه الجعبة؟
قالت:
- إنه بعض البصل اشتريته من سوق في عامودا
فقال سمو:
- أعطيني "عجوراً".
- ليس معي "عجور" بل "بصل" وهل هذا زمن
العجور يا أخي إسماعيل... وقد جلبته للبيت فربما صنعنا
منه " مرقة " لأهل الدار أو " آبة "
- إنا لا اعرف "مرقة" أو "آبة" فناوليني "عجوراً"
وآفى .... لم تدر المرآة المسكينة ماذا تفعل فظلت تجامله
وتراوغه حتى اقتربا من بيادر القرية، و"سمو" يلُّح ويلُّج
في طلبه وهي تعتذر وتتلطف به، فأحست أن الخطر قد
زال وفتحت أبواب الفرج فقالت له محتدمة متوعدة:
- الآن دعني وامض في سبيلك فليس معي سوى
بصل ولا أحمل عجوراً فإن تماديت صرخت واستنجدت

 

40
وألّبْتُ عليك أهل القرية وأنت تعلم ماّ سيفعلون بك عندئذ
فقال "سمو"
- لا.. لا.. لا تفعلي شيئاً ولا تصرخي.. إلا تعلمين
أنني آنت أمازحك، ألست أعلم أننا في فصل لا يوجد فيه
"العجور"... أما الآن فسوف اذهب إلى شأني... ولكنني
آنت أتنمى إن يكون لديك بعض العجور ..فوداعاً يا أختاه.
١) العجور: ثمرة من فصيلة الخيار تكون آروية )
الشكل أو بيضوية في الغالب.
ومن سلوك "سمو" أنه يعترض طريق النساء متذرعاً
بأسباب واهية وحجج ليست آالحجج آان يطلب خياراً في
غير أوانه.

 

41
لا تقل تشاجرنا
جرت هذه الحادثة في عامودا بعد ما شجر خلاف بين
"سمو" و "حيندر" في اقتسام عامودا بينهما والاقتراع
على الشطر الشرقي والشطر الغربي... بدأ الخلاف
ملاسنة ثم سبابا ثم شتائم مقذعة ثم صفعاً وضرباً بالأيدي
ورآلاً بالأقدام ثم مصارعة، فلما حمي الوطيس واحتدمت
المعرآة أراد "سمو" أن ينهي الحرب بطعنة خفيفة غير
نجلاء أشبه بخدش هرة من مديه صغيرة نزقة آان
يحملها.. فسال الدم وغضب إزاء حيندر بلون أحمر
وخرج "سمو" من الميدان منتصراً ولكنه آان شديد الندم
بسبب جنحته، ولا سيما بعد أن تدخلت الشرطة في أمر
النزاع وألقت عليهما القبض واعتقلتهما وألقت بهما في
غيابة "نظارة" السجن وعلم "سمو" فيما علم أن أمامهما
قضاءً ونطقاً بالحكم على الجاني سجناً قد تطول مدته
أعواماً. وظلت هواجسه تهوّل له ما هو مقدم عليه فيبقي
نزقاً قلقاً، خائفاً لا يقر له قرار. آان "الغل" يجمع بين يد
"سمو" اليمنى، ويد "حنيدر" اليسرى عندما ساقهما
شرطيان إلى مبنى " محكمة الصلح " وفي الطرق لم يأل
"سمو" جهداً في التودد والترفق بقرينه في القيد ومما قال
له وآأنه يلقّنه أصول المرافعة ويعلمه الدفاع المشروع:

 

42
- اسمع يا أخي "حيندر" إننا ذاهبان الآن إلى المحكمة
وسوف يسألنا القاضي عما جرى بيننا، فإياك أن تقول إن
شجاراً وقع بيننا إذ ليس لدينا ما نختلف فيه، فإذا سألك فقل
له أنك آنت غافلاً عما حولك وأن "إسماعيل" طعنك في
آتفك وأنك لا تدري آيف حصل ذلك وإلا فقد يحكم علينا
بالحبس طيلة أيام حياتنا.. فحذار إن تنسى هذا.

 

43
إن أصابت أولادآم التخمة جراء التمر
فلا تنحوا عليّ باللائمة
يروي هذه الطرفة الصديق المهندس: محمد حسن
يوسف الحجي:
أقمت أياماً في دارنا القديمة في قرية "عوينيك" طلباً
للاستجمام والتماساً للهدوء وهرباً من صخب المدينة
وضجيجها والمتاعب اليومية في العمل.. وفي غضون
فترة من فترات وجودي في القرية وصل إسماعيل إلى
القرية وآل من بلغة خبر وصوله ترك داره وجاء
لملاقاته... ولما آثر القادمون وأحاطوا به سأله احدهم:
- وماذا جلبت اليوم من البضاعة؟ قال :
- هي قليل من التمر.
وآان صبيّان قد حضر آل منهما مع والده فطفقا
ينظران إلى حبات التمر الحمراء آالياقوت في اشتهاء
ورغبة فقال احد الأبوين في خبث يختبر أريحية "سمو":
- يا أخانا "إسماعيل" هلا تكرمت ووضعت بعض
التمر في يَدي هذين الطفلين، فوجد "سمو" نفسه محاصراً
بشيء اسمه الحياء أو الخجل أو قل الزهو والخيلاء فلم
يجد مندوحة لخدلان السائل فتناول بيد مرتعشة حبتين من

 

44
الرطب ودسَّ آل حبة في يد آل من الصبيين ثم التفت إلى
والديهما وقال في ثقة:
- أن نال هذين الصبيين شيء من التخمة جراء تناول
التمر فلا تلقيا عليّ ملاماً .

 

45
قلت في نفسي
سأحطم آبرياءها وشموخها
لبس لراوي هذه الأحدوثة شخص معروف وهي
آالآتي :
قال أحدهم ل "سمو" بلهجة من يلوم الأخر ويعاتبه
- لقد رآك بعض الناس وأنت تواقع "أتاناً" وراء ذلك
التل، وقالوا أن الأتان آانت صغيرة فهل هذا صحيح؟
وهل فعلت ذلك حقاً؟ أليس ذاك خطيئة؟ قال:
- اسمع أيها الأخ.. إن ما سمعته صحيح وآانت
الأتان صغيرة قد ملس وبرها ونعم جلدها. ومع ذلك آله
آانت قد تأنقت وتزينت فلما رأيتها على هذه الحال مسني
شعور بالاستياء منها وأردت الانتقام منها فقلت في نفسي:
لن أدعها تتبجح وتشمخ بأنفها وتهنأ بهذه الأناقة. ((وألاّ
لما آان له بها شأن))
((وما نزا عليها وواقعها))
((حسب زعمه))

 

46
بعد جهد وعناء
يروي هذه الطرفة: المهندس محمد يوسف الحجى
بهذه الطريقة :
آان أحد القرويين في قرية "عوينيك" قد رزق صبياً
سماه "عبد الرحمن" فاعتل يوماً وهو ما يزال رضيعاً
وحين ذهب "سمو" إلى عوينيك – وآان آثير التردد إليها
قيل له أن الطفل "عبد الرحمن" قد سقم ويشكو من علة
فاهتمَّ لذلك وخاطب القرويين – أيها القرويون.. لقد مرض
"عبد الرحمن" فاعتنوا به جيداً وارعوه حق الرعاية، فقد
تجشمت أنا ووالده "......" التعب والنصب وبذلنا جهداً
وعناء حتى أولدناه .

 

47
أنا أيضاً بطل صنديد
( Gunreş- ( آُن رش
يحكى أن امرأة من إحدى القرى قصدت عامودا لأمرٍ
ما وأرادت إن تصل إلى دار ".... آُن رش" ولجهلها
بواقع المدينة وبيوتها آان عليها أن تسأل آل عابر سبيل
ومن باب المصادفات الغريبة التقت عرضاً في أحد
الشوارع ب "سمو" وهي لا تعرفه فسألته مستفسرة:
- إلا تعرف أين يقع بيت "... آُن رش "
فقال "سمو" باعتزاز وتباهٍ:
- سيدتي إن آنت تبحثين عن الصناد الأبطال فنحن
أيضاً صناديد
١) آُن رش: صفة مرآبة من آلمتين وتعني في )
اللغة الكردية: البطل، الصنديد، المغوار، الشجاع.... الخ،
ويبدو من جواب "سمو" أنّه لم يستوعب مغزى الكلمة ولم
يفهمها وظن أن المرآة تسأله عن احد الرجال الشجعان
وفي العبارة تصريف الكلمة إلى غير المعنى الذي أرادته
السائلة، بينما المرآة الغريبة تقصد أحد أفراد عائلة "آُن
المعروفة. "Gunreş- رش

48
وفّق الله حسن عبد الرحمن
إنه ولي نعمتنا نحن الصعاليك.
آان الأستاذ حسن عبد الرحمن قد دعا بعض أصدقائه
ومعارفه إلى مأدبة أعدها لهم في قرية "عوينيك"
وآان جلّ هؤلاء المدعوين محامين وأطباء ومن لف
لفهم، وفي ذلك اليوم آان "سمو" يتسكع في القرية من
مكان إلى مكان وقصارى القوم فقد شارآهم " سمو " في
تناول الطعام ولما رفعت الصحاف وطوي بساط المائدة
اقبل الحاضرون بعضهم على بعض وبدأت أحاديث
السمر في جوّ مشبع بالجد حيناً وبالفكاهة أحياناً.. آان
"سمو" حاضر هذا الحفل، يراقب الجمع ولا يكاد يفهم
شيئاً مما يدور على الشفاه وآان قد شبع طعاماً وارتوى
شراباً فهو في أوج سروره، راض عن نفسه، مغتبط بما
نال من النعيم.. وربما أحس أنَّ عليه واجب الشكر
لصاحب الدار على هذه المأدبة السخية فقال وهو يجول
ببصره بين الجالسين :
طويى ل حسن عبد الرحمن.. وأُحِسنَ إليه فهو أبونا
ووليّ نعمتنا نحن الصعاليك

 

49
لا خبرة لآم وانتم لا تعلمون أماّ أنا فأتناوم
أتت على الناس في عامودا أيام قائظة في صيف حار
جلب معه أسراباً من البعوض والبرغش والناموس
وحشرات طائرة لا حصر لها لا تدع لهم فرصة للنوم فلا
يغمضون جفناً فإذا ناموا نامولماماً أو تهويماً ولا يتأتى لهم
ذلك إلا بعد بزوغ الفجر، ويقضون الليل آله في صراع
مع البعوض ومجالده البق، وقد أخفقت آل الأغطية
والستائر والناموسيات في ردعها ودرء هجماتها ومنعها
من اللسع وغرز خراطيمها في الجلود فكانت تطن
وترفرف بأجنحتها طيلة الليل وتقتحم الأنوف والعيون
والآذان دون آلل وملل وآأنها تبتغي ثأراً أو ترةٍ لدى
أولئك البشر وقد آلت على نفسها أن تؤرقهم وتسلب
راحتهم وتعلم المتكبرين وأصحاب الخيلاء منهم أنهم
أهون من أن ينجوا منها وأن آل وسائلهم لا تفلح في
صدها، وقد لاحظ أحد أولئك الأرقين الساهرين أن "سمو"
يستغرق في النوم وينام نوماًعميقاً فسأله متعجباً من أمره:
- ألا يلسعك البعوض ويغرز خراطيمه في جسمك
ويطن في أذنيك؟ وآيف تستطيع نوماً والناس جميعاً لا
يستطيعون نوماً؟ فقال:
- أما أنا فلا أشكو منها وأنام ملء جفوني.

 

50
فقال محدثه:
- وآيف يكون ذلك والبعوض يملأ آل مكان وليس له
عهد و ذمة، ولا خلاق له أو أمان، ولا يميز شخصاً من
آخر قال "سمو"
- إنكم لا تعرفون شيئاً... فعندما يدهمني البعوض
أغمض عيني وأتناوم أظهر له بأنني نائم فيدعني وشأني
وهكذا أحتال عليه فأنام لا يمسني منه سوء.

 

51
إنهم لا يعرفون المزاح
في أيام خلت من عهد الانتداب الفرنسي حيث آانت
القوات الدخيلة تحتل أرض الوطن، وآانت بعض
المعارك الهامشية المحدودة تنشب بين الوطنيين في
مناطق عامودا وبين جنود الاحتلال وتدور رحاها وتكون
الحرب سجالاً وآان "سمو" الذي آان يعاني من لوثة
خفيفة في عقله قبلاً قد أقتنى بندقية حربية بطريقة ما قبل
أن يختل هذا الاختلال الكبير في ملكاته العقلية ويصل إلى
ذروة هوسه.. رغبة في مناوأة الجنود الدخلاء ولما جرت
إحدى المعارك بين فئة من الوطنيين وعصابة من الجنود
أصيب "سمو" في عضده برصاصة أطلقت من بندقية
العدو وجرح جرحاً غير مثخن، ولما انتهت المعرآة
وضُمِدتْ عضده نظر إلى ضمادة وقال:
- أولئك السفلة أبناء الكلاب لا يعرفون المزاح، لقد
آانوا جادين في إطلاق الرصاص عليّ .

 

52
أنت تشرب من ماء عاموده
فماذا تريد بعد ذلك
آان "سمو" قد حاز حماراً من تلك الحمر الضالة
التي فقدها أصحابها، فكان ينتقل عليه بين عامودا والقرى
المحيطة بها وهو مغتبط بهذه المطية، فكان يخاطب
حماره إذا نهق أو رفس من أمر ألم به، يذآره بالنعمة التي
يرفل فيها:
- تباً لك أيها الخبيث... ما لك ترمح وترفس وترآل
وتنهق ألا يكفيك أنك تشرب من ماء عامودا؟

 

53
من نوع خاص Teyibûnahî مشبك
لم يكن "سمو" عاشقاً للمال أو مغرماً به ولكنه لم يكن
أيضاً زاهداً فيه أو آارهاً له، وهو حين يتجر في سلعة
فغايته البيع والشراء وليس بالحرفية التي تنطوي عليها
هذه الكلمة، وآية ذلك أنه آلما تجمع لديه بعض المال من
نقود يحصل عليها من ذوي البر والمحسنين الذين
يتصدقون عليه من باب الشفقة، أو الذين قد ينفحونه دراهم
من باب الكياسة والظرف، ولم يكن يحصل على مثلها من
تجارته بحال من الأحوال ولم يكن ليحافظ على تلك النقود
أو يضعها في حرزها آما يفعل غيره، فكان يطرحها بين
أسماله التي يجمعها في آيس أو صرة يحملها على عاتقه
أينما حل أو رحل.
آان يبتاع أحياناً نتفاً من الحلوى ويجعلها بحجم
الإصبع، ثم يجعل يتجول بها يبيع القطعة بخمسة قروش
"فرنك" فكان آلما تعب من الجولان أو أحس جوعاً تناول
وطفق يمتصها " Teyibûnahî قطعة من "المشبك – ال
ويرتشف ما فيها من "قطر السكر" فيميل لونها إلى
البياض بعد تلك الحمرة ويغدو طعمها تفهاً فكان إذا

 

54
اشتراها شخص مّا وذاقها ولم يشعر بحلاوتها ثم عاتبه
على ذلك قال له سمو:
-إلا تعلمون أن هذا "الطيبوناهي" من نوع خاص،
إنه مصنوع لمرضى داء "السكر" ولكنكم لا تفهمون.

 

55
"Ji min re go Leymûne
ne go Leymûne"
قال لي ذلك النذل:
إنه الليمون ولم يقل لي إنه الليمون "
في أيام خلت آان بعض الناس يصلون إلى عاموده
آتين من مناطق نائية وفي صحبتهم قرد أو دب يتجولون
ويطوفون بهذا الحيوان أو ذاك في المنطقة لعرضه لقاء ما
يقبضبون من دراهم بخسة من المشاهدين ولما لم تكن في
عاموده فنادق لإيواء الغرباء إذا جنّ الليل ولاسيما أولئك
الذين يصطحبون قرودهم ودببهم ومطاياهم من البغال
والحمير أو البراذين التي يمتطونها ويردفون عليها
صاحبهم ذا القوائم الأربع والذيل الطويل فكانوا يلوذون
بأحد الخانات التي يديرها البيطريون لمآرب عدة، منها
البيات فيه إذ ليس من المتاح أن يجدوا مكاناً آخر يبيت فيه
مع دابته وصاحبه "القرد" ومنها أن ينعّل دابته عند
الحاجة أو يصلح حدوة مرآوبه ويقدم له العلف مقابل أجر
زهيد.
ومما يمّت بصلة وثيقة إلى هذه الحكاية أن "سمو"
دخل في صبيحة يوم بارد "الخان" وآان قد سبقه إلى

 

56
المكان رجل من أصحاب القرود وقد ترك قرده في عهدة
صاحب الخان بعد أن دثره بدثار سميك وخرج ليأتي
بطعام له ولرفيقه.
آلمة ليمون: تنطوي على معنيين ولها مدلولان في
اللغة الكردية
المعنى الأول: ثمرة الليمون المعروفة وهي من
الحمضيات .
المعنى الثاني: القرد وهو الحيوان المعروف أيضاً .
ولما سار سمو خطوات باتجاه القرد المسجى وآاد أن
يطأه، حذره صاحب الخان قائلاً:
- إياك الدنوَّ منه. فرد "سمو"
- لماذا؟ فقال صاحب الخان:
- الليمون... أي القرد.
وآان قد ظن إن هناك ثمر ليمون فتوقف هنيهة ولكنه
لم يطمئن إلى هذا الرد واشتد به الفضول لمعرفة ما
يختبيء وراء هذا الغطاء فانتهز غرة من الرجل ورآل
الغطاء بما تحته فذعر القرد واستشاط غضباً ولما رأى
ساق "سمو" قريبة منهُ خدشها وخمشها وانقض على

 

57
آاحله عضاً ونهشاً، فولى عن القرد مندهشاً مذهولاً وهو
يقول:
( - ذاك.. ابن الكلب لم يقل إنه "الليمون" وقال إنه ( ١
الليمون .
١) أي القرد. )
١) أي هذا اللون من الفاآهة. )

 

58
خوف متبادل
قال: أ – ك. في بداية الفصل الدراسي جرى تعييني
معلماً في سلك التعليم الابتدائي في قرية من قرى
الدرباسية، وآنت في الأيام الأولى من انتقالي إلى القرية
أقيم في "دار الضيافة" العائدة لعمدة القرية "المختار"
يؤتى إلَّي بالطعام وأبيت فيها ليلاً. ولكي تُنغَّص عليَّ
ساعات ذلك اليوم أطل علينا "سمو" بقامته الفارعة ولم
يخف صاحب "المضافة" ابتهاجه وسروره بمقدمه وأمر
بمن يحضر طعاماً ثم بدلوا ملابسه الرثة بثياب جديدة .
في المساء آانت "المضافة" مشحونة برجال القرية
وفتيانها بعدما سمعوا بحضوره للإصغاء إلى أحاديثه
الشائقة والترفيه عن نفوسهم.
وبعدما انصرم الهزيع الأخير من الليل وطوي بساط
السمر وسكت السامرون عن الكلام المباح وقصدوا
بيوتهم ولم يبق في الدار سوانا، أنا و "سمو" الذي بدا الي
انه سيشارآني النوم فداخلني من جراء ذلك قلق شديد
واختلجت نفسي بصور وأفكار وأخيلة من الخوف
والرهبة من هذا المارد الذي لا يؤمن جانبه.

 

59
أعدوا فراشين لنأوي اليهما في وسط الغرفة الكبيرة
يكادان أن يكونا متلاصقين ولكنني بادرت إلى القول:
- حبذا لو فرشتم لي قريباً من الباب فأنني أحب أن
استنشق أنسام الخريف المنعشة.
لم أآن صادقاً في زعمي، فقد آان الجو بارداً ولم أآن
بحاجة إلى النسيم العليل.. آانت هواجسي تتضخم ولا تدع
لي راحة ولا نأذن بغمض جفني.. آنت لدى الباب عن
آثب، وآنت أمنيّ النفس بالفرار متى رأيت صاحبي يأتي
بحرآة.. لبثت أراقبه من زاوية اللحاف.. وظنتُ النفس
على المراقبة حتى انبلاج الصباح واستيقاظ القرويين
والحضور إلى المضافة وإنقاذي مما أنا فيه ...
آان يخرج رأسه من تحت اللحاف بين حين وآخر
وآلما شاهدته يفعل ذلك تنحنحت فيدس رأسه تحت لحافه.
ظل يثابر على ذلك وأنا أتنحنح.. آنت أراقبه.. وآان
يراقبني دون سأم أو ملال. وقبيل السحر خرج من تحت
لحافه وهبّ واقفاً على قدميه فعدت إلى النحنحة والتظاهر
بالسعال آي يعود إلى فراشه لكنه لم يعد وتقدم إلى ناحيتي
وقال:
- أمازلت ساهراً؟ ألا تنام؟ إنني – منذ ساعات –
أحاول أن أهرب من هذه القرية قبل أن يندموا ويستردوا

 

60
مني هذه الملابس وأنت تسدَّ عليّ الباب وتصدني عن
الخروج.
قلت له وأنا أتنفس الصعداء :
- هيا انطلق سريعاً، فلست مانعك من الخروج ثم
لفظه الباب يحث الخطا لا يلوي على شيء .

 

61
الدّيك الساعة
آثرت رؤية الناس ل "سمو" يصطحب ديكاً، يحمله
في آيس أو يحتضنه، وظنوا أنه يعرضه للبيع ويستغربون
هذا اللون من التجارة فر بما سأله احدهم وأراد أن يساومه
في الشراء فيقول:
- إنه ليس للبيع.
- ولماذا تخرجه وتتجول به.
- إنني رجل لا أعرف القراءة "أمي" والكتابة ولا
خبرة لي بأرقام الساعات وقراءتها.. وقد اتخذت هذا الديك
لأعرف به أوقاتي،... إنه يصيح في الليل والنهار..
ويوقظني في أوقات السحر.. إنه ساعتي ولا أستطيع
التخلي عنه.

 

62
علف الدجاج
قال أحد الظرفاء: آان في "عوينيك" رجل قصير
القامة قميء ضئيل الجسم أصم أبكم، يعرج عرجاً بيناً
فكان "إسماعيل" إذا حضر إلى القرية قصد بيت ذاك
الرجل وخاطبه بلغة الإيماء والإشارة .
رأيته مرة يخاطب الرجل الأصم الأبكم بحرآات من
يديه وفمه.. آان يفرق بين أصابعه ويضع يديه بجانب
صدغيه ويحرك شفتيه ويتلمظ ثم يشير إلى فمه( ١) جعل
يفعل ذلك مراراً لكن ذاك الأخرس الأطرش حار في أمره
وعجز عن فهم أرب محدثه من هذه الحرآات الغريبة
وماذا يراد بهذه الرموز فكان يستبد به النزق فيصرخ
ويهمهم مستفسراً غير أن إسماعيل لم يكن ليبالي به وثابر
على الإيماء والإشارة فقلت بدافع الفضول:
- ماذا تريد أن تقول لهذا البائس. قال:
- لقد سألته إن آان قد وضع العلف لدجاجاته.
١) فحسبته يريد التعبير عن الحمار أو الحمير، )
وإبداع هذه الصورة في ذهن الرجل.

 

63
أقسم سمو!
يقول صلاح خليل " أبو خورشيد ":
أقام "سمو" أياماً في قرية سنجق خليل حيث آنا نقيم
وآان قد حصل على حمار بطريقة مّا يتنقل عليه عند
الحاجة ويدعه بعد ذلك سارحاً في الحقول يرعى
الإعشاب والكلأ وفي المساء يعود إلى الكوخ الذي يقطنه
صاحبه. خرج ذاك الحمار مرة إلى المراعي ثم شغله
شاغل عن الإياب وطال غيابه لأمر مّا فقلق صاحبه واهتم
بفقده اهتماماً عظيماً وطفق يبحث عنه في السهول
والحقول وإذ هو جاد في البحث والاقتفاء شاهد لدى بيادر
قرية مجاورة حماراً مشدوداً إلى وتد مغروز في الأرض
برسنه فاتجه إليه وحل الرسن وامتطى ظهره عائداً إلى
البيت وبعد هنيهة أحس صاحب الحمار أن "سمو" قد
استولى على حماره واحتل ظهره فأسرع الخطا ولحق به
وتشبث بالحمار وطلب من "سمو" أن يعيد إليه الحمار
الذي أخذه دون وجه حق .ولكنه أنكر على الرجل دعواه
وأبى أن يصغي إليه فتابع سيره وصاحب الحمار يتوسل
ويتودد إليه لعله يغريه بتسليم الحمار إليه .
ظل ذلك شأنهما حتى وصلا إلى القرية فترجل
"سمو" عن الحمار واعتنقه وآان الأخر أيضاً متعلقاً

 

64
بالحمار متشبثاً به جيداً خشية أن ينفلت من بين يديه
وينفرد به غريمه ويضيع الحمار، فلما سمع القرويون
عياطهما وهرْجهما هرعوا اليهما وحين عرفوا جلية الأمر
حاولوا إصلاح بينهما. أقسم الرجل بكل يمين غموس أن
الحمار له وانه ولد في حظيرته وأقسم "سمو" أنه إتباعه
بثمانين ليرة وأصرَّ الطرفان على زعمهما فقال أحد
الحاضرين لفض الخلاف ووضع حد لهذا النزاع موجهاً
حديثه إلى "إسماعيل".
- إن آان هذا الحمار حمارك فبيّن لنا شياته وأماراته
فلم يتمهل إسماعيل وجل يطوف حول الحمار ويمعن فيه
النظر وهو يقول:
- إنه حمار آُميتُ اللون له أربعة حوافر وشعر عرفه
ينسدل على جبهته وأذناه طويلتان. وفي جبينه غرة
بيضاء وفي قوائمه تحجيل ولما وصل إلى مؤخرة الحمار
وآان ذيله منتصباً في تلك اللحظة بادر إلى القول:
- وإن آنتم لا تصدقون فإن حماري له ذيل منتصب
ولعلةٍ ما نهق الحمار وفتح شدقيه فقال "إسماعيل"
- وله أيضاً أسنان صفراء وآبيرة وعليها أثار العلف
فماذا تريدون أآثر من هذا؟
ولكن الخلاف لم يفض والنزاع لم ينته ولم يحسم دابر
الشقاق بين المتخاصمين فكان ذاك القروي يرجع إلى داره
بعد أن يجهده الجدال إلاّ أنه لم يكن يقنط ولم يستسلم أو

 

65
يتنازل فكان يعود إلى "سنجق خليل" للقاء بغريمه
ويعودان إلى الأخذ والرد والجذب والشدَّ دون جدوى مرّ
يومان على هذا المنوال وآل يدلي بحجته وبرهانه، وفي
اليوم الثالث عاد القروي والتقى بخصمه واحتدم الجدال .
يقول أبو خورشيد: وبينما آان والدي خارجاً من
البيت لمح حمار "إسماعيل" سارحاً في بعض الحقول
القريبة وآان قد علم بالحرب الباردة بين المتخاصمين
فتوجه اليهما وقد التف بهما القرويون وقال لإسماعيل:
- إن حمارك أفضل من هذا الحمار وخير منه.. انظر
إلى هناك لترى حمارك.
ثم ذهب أحد الفتيان وجلب الحمار فلما عاينه
إسماعيل وتأآد له أن حماره أفضل من حمار القروي
أطلق للحمار عنانه وأذن للقروي أن يمضى إلى طيته
ممنطياً متن حماره .

 

66
ذاك فوق طاقتي
دخل "إسماعيل" دار أحد الأثرياء وآان المجلس
حافلاً بالضيوف. وليس فيهم من لا يعرفه فقال أحدهم
يخاطب إسماعيل:
إنّ مضيفتنا "ز" صاحب أموال آثيرة فاطلب منه ما
تشاء وسوف يعطيك .
فقال المضيف :
- أجل.. أطلب ما شئت
قال إسماعيل مبتهجاً فقد سنحت له فرصة يستطيع أن
يستغلها في اآتساب مبلغ من المال آبير:
- اعطني خمس ليرات.
فقال الحاضرون:
- اطلب المزيد فلديه نقود آثيرة.
فتردد إسماعيل قليلاً ولكن الجماعة ألحّت عليه في
الطلب فقال:
- أريد عشر ليرات وحسبي هذا المبلغ.
قالوا له:
- هذا المبلغ زهيد... إنه ثري جداً فلماذا تطلب قليلاً..
اسأله المزيد.
فوجم قليلاً ثم قال:

 

67
- إن آان الأمر آذلك فإني أريد خمس عشرة ليرة.
قالوا له:
- هذا أيضاً قليل.. أطلب أآثر.
فقال وآأنه يرتاب في ما يجرى:
- أريد عشرين ليرة: فقالوا له عشرون ليرة مبلغ
طفيف... أطلب المزيد ولا تتردد فقال بين إقدام وإحجام:
- هات خمساً وعشرين ليرة ...
آان إسماعيل يرى مثل هذا القدر من النقود مبلغاً
ضخماً ولم يكن يصدق أذنيه، ولم يكن يعتقد أن أحداً
يستطيع ان ينفحه مبلغاً آهذا، لذلك استأنف القول:
- إياآم أن تلحوا عليّ في الاستزادة فذاك أمرّ فوق
طاقتي .

 

68
التجارة لغرض آخر
يروي هذه الطرفة الصديق: عبد الرحمن يوسف
الحجي آالتالي :
جاء إسماعيل ونحن في قرية "عوينيك" يحمل عدداً
من البيض وبعد أن استتب به المقام واستراح من وعثاء
الطريق واحتفى به القرويون سأله رجل من القرية:
- ماذا تحمل من البضاعة هذا اليوم؟ قال إسماعيل:
- بعض البيض.. جلبته من عامودا. قال الرجل:
وبكم تبيع البيض؟ وآيف تجلب البيض إلى القرية
وهو آثير لدينا؟
قال إسماعيل:
- ولكنني أبيعه بثمن بخسٍ.
قال الرجل:
-وآيف ذلك؟ قال إسماعيل:
/ - إنني ابتاع / ١٠ / عشر بيضات بليرة، وأبيع / ١٢
اثنتي عشرة بيضة بليرة واحدة.
قال الرجل :
- ولماذا تفعل ذلك؟ إن تجارتك تجارة خاسرة.
قال إسماعيل :

 

69
- أعلم ذلك.
قال الرجل:
- فماذا يلجئك إلى أمر يضرك ولا ينفعك؟
قال إسماعيل:
- حتى يحسبني رجال الشرطة تاجراً ولا أتهم
بالجنون وإلا زُجّ بي في "سجن المجانين" ((مشفى
الإمراض النفسية)).

 

70
لم تصب عينه بأذى
آانت جماعة من الرجال نتحدث عن شخص أصيب
بطلقة طائشة في جبينه بالقرب من إحدى عينيه واردته
قتيلاً وآان "إسماعيل" يصغي إلى هذا الحديث فقال
بحماس بالغ:
- احمدوا الله تعالى على أن الطلقة لم تصب عينه
بأذى.
" ظننته ملتحقاً ب "سفر برلك "
دخل إسماعيل داراً فوجد أهلها باآين نادبين فسألهم
عن سبب هذه المناحة فقالوا له: إن فلاناً قد مات. فقال
إسماعيل:
- لقد أفزعتموني.. ظننته قد سيق إلى الخدمة
العسكرية في ( سفر برلك )

 

71
بآلمة واحدة
يقول الأستاذ / عبد الرحمن يوسف الحجي:
بينما آانت دورية من رجال "الدرك تجوب احد
شوارع المدينة في عامودا صادفت "إسماعيل" فاستوقفوه
وطلبوا إليه إبراز "بطاقته الشخصية" وهو في آل
الأحوال لا يحمل مثل هذه البطاقة فلم يستطع تلبية طلبهم
فاعتقلوه وساروا به إلى " المخفر" للنظر في أمره وهم لا
يعرفون عنه شيئاً وإذ هم سائرون به التقى بهم احد أعيان
المدينة:
المختار: الحاج عمر قجو فلما رآهم يسوقون ذاك
البائس أمامهم سألهم عن سبب اعتقاله فقالوا له:
إنه لا يحمل " تذآرة هوية " وقد رأيناه متسكعاً
١) سفر برلك: آلمة يراد بها الهجرة القسرية في أيام )
الحروب والتجنيد الإجباري. وقلّما آان يعود منها
المسافرون في عهد الدولة العثمانية.
فاشتبهنا به وسوف نعرف الحقيقة متى وصلنا إلى
المخفر. فابتسم المختار وقال لهم:
- آيف تعتقلونه؟ إلا تعرفونه؟ إنه إسماعيل؟ فقالوا:
- لا.. إننا لم نره غير هذه المرة
فقال لهم بصوت خافت أقرب إلى الهمس

 

72
إنه إسماعيل: وليس في المنطقة من يجهل أمره.. إنه
رجل معتوه.. مطبق الجنون .."ومثله لا يؤاخذ وليس عليه
حرج".
ثم ما لبث أن أطلقوا سراحه وهو فرح بخلاصه لا
يكاد يصدق أنه قد نجا، يحث الخطا ذاهباً إلى شأنه فكان
منذ ذلك اليوم يقول :
إن الحاج عمر قجو – جزاه الله خيراً جزيلاً – رجل
عظيم، لا يُردُّ له طلب، لقد استطاع أن يطلق سراحي
بكلمة واحدة، وإذا ألمت بكم ملمة أو دهتكم دواهي
الشرطة فما عليكم إلاّ الاستغاثة به.

 

73
فتوى
بينما آان أحد القرويين عائداً إلى قريته التقى عرضاً
بإسماعيل فسارا ساعة صامتين لا يتكلمان إلاّ قليلاً، ثم
عنَّ للقروي أنْ يطرح عليه سؤاله في أمر آان يشغل باله
وهو لا يعرفه ولا يعلم ما بصاحبه من لوثة ومس من
جنون فقال:
- هل يصح ويجوز التوضؤ بالماء المشمس في
الأواني النحاسية فإنني افعل ذلك أحياناً في بعض الأيام
مضطراً. حبذا لو بّينت لي هذه المسألة بياناً شافياً:
لاذ "سمو" بالصمت وفكر ملياً وحار في أمره وهو
الذي يجهل أصلاً آل شيء عن الوضوء وتبعاته وما
يترتب عليه وما الغاية منه وبدا له أن يطيل السكوت فلعل
الرجل ينسى سؤاله المحيّر ويعفيه من الجواب، ولكنَّ
السائل ألحّ عليه في المسالة ولم يدع له فرصة للنجاة فعاد
إلى القول:
- ولكنك يا " سيدي " لم تبدِ رأيك !
أحس "سمو" بحيرته وارتباآه وأدرك أنه عاجز عن
الجواب وأن مزيداً من الصمت لن يجديه فتيلاً فقال - أيها
الأخ.. إن الأفضل هو أن تسأل عالماً آخر فعسى أن تجد
لديه سؤلك.

 

74
رأي في الصيد
آان "سمو" حاضراً في مجلس أحد رجال الدين قريباً
من الشيخ صاحب "التكية" حين دخل المجلس شخص
جاء مستفتياً عن قضية التبست عليه ويخشى أن يكون قد
اقترف أثماً بسبب دجاجة اختطفها ثعلب من القن ولكنه
استطاع اللحاق به وانتزاع الدجاجة منه بعدما افترسها وقد
نفقت ولكن نفسه لم تطب للتفريط فيها ولاسيما أن التبذير
حرام والإسراف مكروه شرعاً فاتخذ أهل داره لحمها
طعاماً وتناوله الجميع، وهو الآن ليس مطمئناً تماماً إلى ما
فعل ويرجو إن لا يكون قد أباح محظوراً وحلل حراماً.
فهو يعتقد أنّ ما فعله داخل في أحكام الصيد بالجوارح،
فلما سمع الشيخ مقالته وفهم مغزى حكايته ابتسم ابتسامة
عريضة لسذاجته وعفلته وقد وجد مادة للفكاهة فقال
للرجل السائل :
- حريّ بك أن تتوجه بسؤالك إلى "الشيخ إسماعيل".
ثم أشار بيده إلى إسماعيل .
التفت الرجل إلى إسماعيل وقال له :
- سيدي... افترس ثعلب إحدى دجاجتي في غياب
الكلب عن الدار فجرينا خلفه حتى أجهدناه فألقى الدجاجة

 

75
وولى هارباً وآان قد قتلها ولكننا لم نستغنِ عن لحمها
فأآلناه، فهل في ذلك من بأس؟
قال إسماعيل:
- ما فعلته مباح. وهل يسوغ لنا أن نطرح طعامنا
للهوام والسباع
- سيدي.. على أيِّ المذاهب يحّل ذلك؟
قال سمو دون تلكؤ أو تردد
- على مذهب الثعالب.

 

76
صلاة الفجر
يروي المهندس: أنور العباسي هذه الطرفة عن
"إسماعيل" على الطريقة التالية:
إذ آنا نقيم في قرية "علي آَوران" آان إسماعيل يفد
إلينا مراراً ويكثر من هذه الوفادة، وآان يلتئم بحضوره
شمل أولئك القرويين من أرباب المتعة وطلاب الدعابة...
وآان إذا انصرم النهار ومضى هزيع من الليل أوى إلى
مسجد القرية "الجامع" وبات ليلته فيه. وآان بعض
المصلين يؤدون صلاة
الصبح في هذا المسجد وبينما هو يغط في نوم عميق
أيقظه أحدهم وقال له:
- هيا انهض وقم بنا لأداء صلاة الفجر آي نكسب
أجراً وثواباً. فقال إسماعيل معتذرا ومتذرعاً وهو يغالب
رسيس النوم في عينيه :
- على رسلك فإن الأمر هيُّن لا يدعو إلى العجلة وهي
"أي صلاة الفجر" ليست سوى رآعتين يمكن أداؤهما في
أي وقت من الأوقات. متى شئنا ذلك. فاطمئن واهدأ بالاً،
ولا تكن عجولاً.

 

77
قضية حمار
يروي الصديق: صلاح خليل إحدى حكايات عن
"سمو" على النمط الآتي:
قبل أعوام منصرمة آنت أقيم مع أهلي في دارنا
الواسعة في قرية "سنجق خليل" القريبة من عامودا
وآانت باحة الدار فسيحة، وفيها حظيرة للسوائم والدواب
وآذا مستودع للعلف، وآان "إسماعيل" آثير التردد إلى
القرية فإذا حضر أقام بيننا متجولاً بين بيوت القرويين
وفي المساء يعود ليبيت الليل لدينا في " مستودع العلف ".
وفي يوم من أيام الربيع جاء إلى القرية ممتطياً حماراً
فارهاً آان قد ابتاعه من قرية " فرلاجق بمبلغ ثمانين
ليرة آما أخبرنا ولما وصل إلى دارنا أطلقه في باحة
البيت وفي المساء أوى إلى مبيته.. وفي غداة اليوم التالي
وجد الحمار الباب مفتوحاً فخرج إلى الحقول الخضراء
القريبة وأطال المكوث يرعي الأعشاب الغضة وعندما
أفاق "إسماعيل" من نومه وافتقد الحمار جن جنونه وبحث
عنه في إطراف القرية وساءل القرويين لعل أحدهم
شاهده، ولما أآثر من السؤال ولم يجد لديهم جواباً شافياً
ويئس من العثور عليه توجه إلى قرية "...... " وإذ وصل
إلى بيادر القرية وجد أمام باب بيت منعزل حماراً مشدوداً

 

78
بطَوَلٍ إلى وتد فلم يتردد في حل وثاقه وامتطائه والعودة
إلى قرية سنجق، وآان صاحب الدار يراقب المشهد من
بعيد ورأى أن شخصاً غريباً قد استولى على الحمار
ومضى به لا يلوي على شيء فأسرع للحاق بهذا السارق
في وضح النهار واستعادة حماره ولم يدرآه إلا بين
البيوت فأخذ برسن الحمار واستوقفه ولما عرف أن
غريمه هو "إسماعيل" إطمأن باله قليلاً وقال:
-أيها العم إسماعيل ها قد وصلتَ، فترجَّل وخلِّ بيني
وبين حماري ودعني أعْد به إلى البيت.
ولكن إسماعي أنكر إن يكون الحمار له وزعم أنَّه
يريد استلابه دون وجه حق.
احتدم بينهما الجدال وارتفعت اصواتهما فهرع
القرويون إلى المكان يستطلعون الخبر فأصغوا اليهما
وآل يدلي بحجته:
إسماعيل: هذا الحمار لي وقد اشتريته بثمانين ليرة
من رجل في قرية "فزلاجق" الرجل: هذا غير صحيح...
إنه حماري وقد ولدته أتانُ آانت عندي منذ خمسة أعوام
وفي صباح هذا اليوم جاء العم "إسماعيل " وحل وثاقه
وأتى به إلى هنا وها هو يدعى أنه له إن الجميع يعلمون
هذه الحقيقة
وإن آنتم في ريب مما أقول فاسألوا القرويين في
قريتنا إن شئتم وسوف تعلمون ..

 

79
إلا أنَّ الحقيقة لم تنكشف لأولئك الذين حضروا إلى
محفل النزاع فها هو ذا "إسماعيل" متشبث بعنق الحمار
وهاهو خصمه عازم على استرداد ما اخذ منه ولما رأوا
أن المسالة لن تحل إلا بالحسنى والحكمة والتعقل قال
أحدهم موجهاً سؤاله إلى إسماعيل:
- الآن اذآر لنا ما هي صفات حمارك؟
فجعل إسماعيل يطوف حول الحمار وينظر إليه
ويقول:
- إنه أغر. انظروا إلى هذه الغرة في جبهته.. شعر
قذاله طويل منسدل. حوافره ملطخة بالطين "آان الحمار
قد سار بين الأوحال "إنه أخطل" طويل الأذنين". وله
ذيل مُنتصب "آان الحمار في تلك الساعة قد شال ذنبه
فبدا منتصباً".
وبدا للقوم أنهم لن يحْصلوا منه على طائل وأنه
يحاول ألمراوغه بهذه السذاجة لإقناعهم ولن يحيد عن
موقفه أو يتنازل عن دعواه فقل أحدهم: فلنرسل في طلب
الملا عبد الرحمن "والد الراوي" لفض النزاع الذي شجر
بين صاحب الحمار وإسماعيل فلما خرج والدي ألقى
نظرة في السهول القريبة فرأى حماراً سارحاً في
المرعى، وعندما وصل إلى حيث تقع المخاصمة قال
لإسماعيل في الحال:

 

80
- أنظر.. حمارك يرعى هناك وهذا الحمار ليس.. إن
حمارك أفضل من هذا الحمار .
فلما رفع إسماعيل نظره وتأآدت له مقالة والدي
وبانت له الحقيقة قال:
-آلا.. لن أسلمه الحمار قبل أن تأتوني بحماري
.ففرح صاحب الحمار بانفراج همه وخاطب الصبية الذين
آانوا قد حضروا :
- من يأتني بالحمار أدفع له ليرة .
فهب أحد الصبيان إلى جلب الحمار، فلما دخل الحمار
في حوزة إسماعيل وتناول رسنه قال للرجل القروي
الغريب:
- الآن.. خذ حمارك.. ولكن لا تربطه مرة أخرى في
العراء فقد يسرقه السارقون.

 

81
الرؤيا والديك
حدثنا الصديق / عبد الرحمن يوسف الحجي قال :
جاءنا "إسماعيل" ونحن في قرية "عوينيك" وآان
الوقت أصيلاً، وقد بدا عليه الرهق والشحوب وخيل إلينا
أنه يشكو جوعاً فقدمنا له طعاماً يقيم به أوَدَهُ ولم يكن في
طعامه لحم فتناوله دون شهية آبيرة، وآنا آنذاك في بيت
أحد القرويين يدعى "جميلاً" وآان في باحة الدار دواجن
من دجاج وديوك حبشية تسرح فلما شاهدها توجه إلى
صاحب الدار وقال له:
- لقد رأيت فيما يرى النائم والدك المرحوم فسلمت
عليه قال ذلك ثم توقف عن الكلام. فقال صاحب الدار:
لماذا لم تكمل حديثك، فقال:
- أخشى أن لا تصدقني فلا تمضي وصية والدك.
فقال "جميل":
- بل سأفعل فهّيا قل لي بماذا أوصاك. قال إسماعيل:
- قال: أذهب إلى ولدنا جميل وقل له أن لا يقدم
لضيوفه طعاماً خشناً فإن دواجنه آثيرة ولا تخرج من
داره قبل أن يطعمك لحم ديك من ديوآه الكثيرة وإِلا فلن
أرضى عنه.

 

82
قسمة عادلة
يقول الراوي:
إن "سمو" حلّ ضيفاً على بعض معارفه أو اقربائه
وبات الليل في "مضافة" القرية، ولما انفضّ الجمع
وتفرق السامرون ولم يبق من الحاضرين سواه، فكرّ في
أحواله وتذآرّ أنَّ رآوبة الحمار دون بردعة مرهق،
وآانت أرض "المضافة" مفروشة بضرب من السجاجيد
المصنوعة من الصوف المتلبد "آلاف" فعمد إلى شق
"الكلاف" وجعله شطرين متساويين وآأنه يحدّث نفسه:
قسمة عادلة، النصف لي وله النصف.. ما ظلمك من
ساواك بنفسه".
ثم مضى به وألقاه على ظهر حماره وامتطاه، ثم
انطلق خارجاً من القرية عند بزوغ خيوط الفجر الأولى.
وبعدما اآتشف أهل الدار أن البساط قد أتلف وضاع
شطرً منه حاروا في الأمر ثم هداهم التفكير إلى أن
غريمهم ليس سواه، وألا فمن ذا الذي يقترف هذه الفعلة
الغريبة غيره !

 

83
وبعد عدة أيام عاد إليهم "سمو" آمألوف عادته فرأوا
البساط مطوياً على متن الحمار ولما عاتبوه على ذلك
وبالغوا في التأنيب وأوغلوا في الملام قال لصاحب الدار:
- ألا تعلمون أنَّ أموال الإخوة شرآة بينهم وقد آنت
أحسبكم إخواناً لي فلماذا تبكتونني وتعاتبونني في حق
نِلته؟

84
التواضع
آانت السيارة الحافلة بالرآاب تتجه من عامودة إلى
القامشلي، وفي منتصف الطريق قريباً من قرية "رنكو"
استوقفها "إسماعيل" ولما صعد إليها لم يحاول البحث عن
مقعد وجلس على أرض الممر. آان جلوسه سبباً لعرقلة
حرآة الصاعدين إلى الحافلة والمترجلين عنها في
محطات متفرقة، وأثار ذلك استياء الراآبين والسائق
وضجرهم، فقالوا معاتبين:
- يا أخانا... يا عمنا إسماعيل:
- هنالك مقاعد خالية فلماذا تجلس على قارعة الممر
وهو ضيّق وفي ذلك إرباك للراآبين القادمين
والمغادرين.. صاعدين وهابطين آما ترى؟
فقال إسماعيل دون تمعن في مغزى سؤالهم ودون
أدنى مبالاة:
- شكراً لكم... فإنني أجد راحتي هنا، ثم إنني رجل
متواضع لا أحب مظاهر الفخار والمباهاة والجلوس على
الآرائك والكراسي. دعوني وشأني فإنني بخير ولا بأس
بجلوسي ها هنا.

85
إسماعيل حلاقاً
مرَّ إسماعيل بحانوتٍ للحلاقة، فلما رآه صاحب
الحانوت دعاه إلى الجلوس. وبعد أن امتد بينهما الحديث
تذآر الحلاق فجأةً إن عليه واجباً لا بد من قضائه،
فاستأذن ضيفه وخرج وقال له:
- أمكث هنا قليلاً وسوف أعود إليك ولن أغيب
طويلاً.
فقال له إسماعيل:
- أذهب... ولا تتأخر آثيراً. فإنني على عجلةٍ من
أمري.
إلا أن غياب صاحب الحانوت طويلاً جعل
"إسماعيلاً" يضجر ويتملل وفكر في مغادرة المحل، إلا
أن رجلاً دخل الحانوت وطلب من "إسماعيل" أن يحلق
له شعر لحيته وشيئاً من شعر رأسه، وبدل أن يعتذر له
إسماعيل ويقول: "أنا لست الحلاق ولا معرفة لي
بالحلاقة، أما الحلاق فسوف يعود وعليك أن تنتظر بعض
الوقت".
تناول مقصاً من فوق الرف وشنَّ حملة شعواء على
رأس الرجل البائس، فقصَّ جزَّة من هنا وجزَّة من هناك،
فلما عاين الرجل رأسه في المرآة ورأى آثار المقص

86
العابث الجائر وما حلَّ به من مسخٍ وتشويهٍ هبَّ مذعوراً
ونهض عن الكرسي وزعق زعقةً غاضبة وقال:
- ماذا فعلت برأسي أيها الرجل... هل أنت مجنون؟
فقال إسماعيل بهدوئه المعهود وتأتأ قائلاً:
- ألم تعرفني..؟ إنني إسماعيل، ألم تسمع باسم
"إسماعيلي دين" لكنك أآثر مني جنوناً، إذ تأذن للمجانين
أن يحلقوا لك شعر رأسك وذقنك.

87
" Firdoqî – الثريد" فردوقي
في أحد أيام الصيف القائظة ألقته الأسفار إلى قرية
عرف صاحبها بثرائه وأملاآه الواسعة، وهو يتضوّر
جوعاً. فلما استتب به المقام في دار الضيافة طمع في
وجبة سائغة من طعام دسم، ولم يكن يدري أنَّ رب الدار
ضنين شحيح. ولما وجد اسماعيل أنّ المضيف لم يسأله إن
آان جائعاً أو راغباً في تناول الغداء ((آان الوقت قرابة
الساعة الثانية بعد الزوال )) فقال اسماعيل مكرهاًً مغلوباً
على أمره متخلياً عن حيائه بسبب جوعه وسغبه الكافرين:
- أيها الأخ هل لديكم طعام، فإني لم أذق شيئاً منذ يوم
أمس؟
فهتف الرجل ونادى أحد القرويين وقال له :
- أجلب لي ولضيفنا ((اسماعيل)) زاداً فأنا أيضاً
جائع.
غاب القروي وأبطأ برهة، ولما أطلّ القروي، رآه
اسماعيل يتوجه إلى المضيف ويضع بين يديه صحفتين
فيهما شيئُ من اللبن المخيض ((عيران)). ثم غاب
القروي مرة أخرى وجلب رغيفين من خبز التنور
ووضعهما إلى جانب الصحفتين، وعندئذ أومأ المضيف

88
طالباً حضور الضيف، فلما تقدم " سمو " قال له صاحب
الدار بعد أن بدأ يفتت الخبز ويلقي بالفتيت في الصحفة:
- يا أخانا إسماعيل... إنني أفضل ثريد اللبن وسوف
فاصنع مثل صنيعي. "firdoqi – أعد وجبة ال "فردوقي
امتعض إسماعيل امتعاضاً شديداً وشعر بإحباط آبير
وتأآد له إخفاق حلمه بطعام شهي، ولكنه شرع يفت الخبز
في الصحفة حتى إذا أآمل عمله نهض واقفاً حاملاً
صحفته وسار بها إلى الخارج. فاستغرب المضيف هذا
السلوك لذلك قال مندهشاً:
- إلى أين أيها الأخ؟
قال إسماعيل:
- أرأيت ذلك الكلب الجاثم هناك المتفيأ في ظل هذا
الجدار؟ سأمضي بقسمتي إليه فلعله يكون جائعاً.
ثم وضع الصحفة قريباً من الكلب وقال:
- آل أنت وآلبك من هذا الطعام فإنني صائم ولست
بحاجة إليه، وهذا الطعام آنا نصنعه لكلابنا البائسة.
ثم ولى وترك الرجل في حيرة وحنق وذهول.

 

89
ضيف دون قِرى
ذهب إسماعيل إلى إحدى القرى، وآان الوقت صيفاً
آما يقال، وقصد دار "الضيافة" العائد لمالك القرية،
فرحب به القرويون وجعلوا يحاورونه ويداعبونه، ودأبوا
على ذلك ساعات، ولما حان موعد الغداء تفرق القرويون
وذهبوا إلى بيوتهم وترآوه وحده ولم يسأله أحدهم إن آان
جائعاً وراغباً في الأآل، وبعد أن غابوا زمناً عادوا إلى
"المضافة" فوجدوا الضيف واجماً آئيباً، يغفو تارةً
ويستفيق أخرى، وآلما دخل شخص نظر إسماعيل إلى
يديه لعله يحمل إليه طعاماً يسد به رمقه ويسكت جوعه
فيعتوره اليأس ثم تنتعش آماله إن رأى داخلاً جديداً.
ظل آذلك بين اليأس والرجاء حتى ذهب وقت
الأصيل وأوشك حلول المساء وآان الجوع قد استبد به
وخشي أن يتفرق الحضور، ويضربوا صفحاً عن وجوده
ويسلوه إلى مضفى جوعه، فنهض وشرع يذرع أرض
المضافة عرضاً وطولاً، ويهتف:
- خطوة... خطوتان... ثلاث خطوات...
فلما رأى صاحب الدار فعلته حسبها ضرباً جديداً من
ضروب جنونه فسأله معاتباً:
- ماذا تريد أن تفعل يا أخانا؟

90
فقال إسماعيل:
- ليس لي مأرب سوى أنني وددت أن أشيد داراً على
غرار هذه الدار فذرعتها.
قال صاحب الدار هازئاً:
- وهل تقدر على ذلك يا أخانا إسماعيل؟ ذاك أمرُ
فوق طاقتك .
قال إسماعيل:
- بل ما أهون ابتناء دارٍ آهذه الدار التي لا يُقدم فيها
طعامٌ لضيوفها الجائعين.

 

91
الميزان
يروي الشيخ سراج الدين الحسيني هاتين الطرفتين
عن إسماعيل ويسرد الحدث الأول آالتالي:
آان من دأب "اسماعيل" أن يأتي إلينا في قرية
((برآو فوقاني)) ( ١) بين حين وآخر زائراً أو تاجراً،
وفي أحد الأيام قدم إلى القرية على حمار له على ظهره
صندوق فيه أعناب، وعندما بلغ أقرب بيت توقف هناك
وألقى بأوزار الحمار على الأرض ثم فتح صندوق العنب
يعرضه للبيع فتقدم منه أحد فتيان القرية وقال له :
- بعني من هذا العنب (( آيلواً واحداً )).
تناول (( اسماعيل )) آمية صغيرة وقدمها له. فقال له
المشتري وقدّر أنّ العنب قليل ولا يبلغ أن يكون ال " آيلوا
" المتفق عليه :
- ما هذا؟ ولكن الأشياء لا تباع هكذا جزافاً... أين
ميزانك؟
فقال اسماعيل مستاءً مستخفياً برأيه، مستهزئاً وقد
أدرك أنه ينوء بتلبية هذه الرغبة :
- يا لك من لوذعي... يالذآائك وفطنتك... أتريدني ان
أقتني ميزاناً من أجل هذا الكيلو من العنب الذي تريد
شراءه؟

92
نصيحة غالية
أمَّا الحدث الثاني فيرويه الشيخ على الشكل الآتي:
حلَّ إسماعيل يوماً ضيفاً على بيت من بيوت
القرية، ثم ما لبث صاحب الدار إلا قليلاً أن قدم له طعاماً
مع بعض الأرغفة من خبز التنور، وآانت الأرغفة قد
انضجتها النار أآثر مما ينبغي لها فيبست قليلاً فلما أخذ
منها آسرة ودسها في فمه وجد مشقة في مضغها وبدا
عليه التذمر، لكنه لم يعلن عن دخيلة نفسه مما يلقاه من
هذا الخبز القاسي وثابر على الأآل على الرغم من آل
شيء فقد آان الجوع قد بلغ به آل مبلغ استهان معه
بصعوبة اللَّوك والمضغ.
ولما انتهى من تناول طعامه وأحس بالشبع رفع
رأسه عن المائدة ونظر إلى صاحب الدار المضيف وقال
له بلهجة معاتبة:
- إني أنصحكم إذا أتاآم ضيف أن لا تقدموا له خبزاً
يابساً فقد يضر بأسنانه، ومتى غادرآم سبّكم وتكلم عنكم
بسوء ونعتكم بالشح والبخل

93
في المرة القادمة
يروي لنا الصديق عبدالرحمن يوسف الحجي هاتين
الطرفتين آالآتي:
آان الوقت أواخر الصيف حيث تكثر الأشواك ولا
سيما شجر ((العوسج)) الذي ترعاه الأبل
وبينما آان "اسماعيل" يتجه سيراً .(sitriyê deva)
على الأقدام إلى أحدى القرى القريبة من عامودة مرت به
تحمل بعض الجباة الذين يجمعون (( jeep)) سيارة جيب
ولما ابتعدت قليلاً qacorci الضرائب عن رؤوس الأغنام
عثر اسماعيل على محفظة سقطت من الجباة تحمل مبلغاً
آثيراً من الأوراق النقدية وأدرك أن الجباة عائدون بحثاً
عن المحفظة متى أحسوا بفقدانها، فحاول جاهداً أن يسلك
طريقاً بين الحقول والفوز بغنيمته، ولكن آثرة الأشواك
جعلته يقدم رِجلاً ويؤخر أخرى وظل حائراً متردداً لا
يدري ماذا يفعل ثم ما لبث قليلاً حتى شاهد سيارة
((جيب)) قادمة إليه ثم توقفت إزاءه والمحفظة بين يديه،
فترجل منها الرجال واستعادوا المحفظة ولما ذاعت أنباء
هذه الحادثة بعد أيام قال له أحد القرويين مداعباً:
- آنت قد عثرت على آنز فلماذا لم تتخذ طريقاً بين
الحقول؟

94
قال اسماعيل:
- لقد آانت أشواك العوسج ((جاف بلوق)) تحف بي
من آل مكان وآنت حافي القدمين فلم أستطع أن أتقدم
خطوةً واحدة.
فقال له الرجل معترضاً على حجته:
- إن مثل هذا المبلغ الكبير لا يستهان به ويستحق
التضحية.. وما أهون وخز الشوك أمام تلك النقود.
فقال إسماعيل بثقة:
- هذا صحيح.. إنني في المرة القادمة لن أبالي
بالأشواك.

95
تجارة رابحة
يقول الخبير الزراعي آاظم محمد حسن "أبو
محمد" وهو لا يكاد يخفي إعجابه الشديد بإسماعيل
وذآائه:
- في أحد الأيام – إذ آنت أقيم في إحدى القرى من
ريف المنطقة – جاء إلينا اسماعيل وفي جعبته بعض
ثمرات التفاح آما عرفنا ذلك فيما بعد، فلما انتهى من بيع
سلعته ولم يعد يشغله التفكير في شيء جعل يتبسط في
الحديث ويتكلم بكلام ينم عن سروره وسعادته البالغين
سألته:
- لقد زاولت أنواعاً وألواناً من التجارة وأآثرت من
البيع والشراء.. ابتعت وبعت ضروباً من عروض التجارة
والسلع بشتى صنوفها ولم تترك جوزاً أو تفاحاً ولوزاً ولم
تدع برتقالاً أو سفرجلاً، ولم تذر تيناً أو عنباً دون بيع
وشراء، فاذآر لي الآن بمنتهى الصراحة والوضوح أية
تجارة هي أآثر جلباً للربح وآسباً للمال؟
قال اسماعيل وقد بدا عليه الجد:
- أسمع يا أخي... إنني لم أجد أي نوع من أنواع
التجارة أآثر فائدة وآسباً للمال من التسول.

96


الفهرس
المقدمة
السلع الخفيفة
إنكم تذآروننا بما لا يخطر على بالنا
أهذا الحين حين تحيتكم
إن اقتنصتم بازياً أو نسراً
عمود الهاتف هذا شهد بذلك
أرأيتم آيف سبقتكم
أما الآن فاذهب راشداً ودعك عما سلف
لقد برئت من جنوني
إن شربتم غدوتم مثلي
البحث عن التبغ
سينكلون بي قبل أن يكتشفوا جنوني
ذاك هو الرغيف
عشرة قروش
إن بعتك هذا البطيخ
البصل والعجور
لا تقل تشاجرا
إن أصابت أولادآم التخمة
قلت في نفسي

97
بعد جهد وعناء
أنا أيضاً بطل صنديد
وفق الله حسن عبدالرحمن
لا خبرة لكم وانتم لا تعلمون
إنهم لا يعرفون المزاح
أنت تشرب من ماء عاموده
مشبك من نوع خاص
قال لي ذلك النذل
خوف متبادل
الديك الساعة
علف الدجاج
أقسم سمو
ذاك فوق طاقتي
التجارة لغرض آخر
لم تصب عينه بأذى
بكلمة واحدة
فتوى
رأي في الصيد
صلاة الفجر
قضية حمار
الرؤيا والديك
قسمة عادلة

التواضع
إسماعيل حلاقاً
الثريد
ضيف دون قرى
الميزان
نصيحة غالية
في المرة القادمة
تجارة رابحة
.

 

 

 
 
 
 
 
 

E-mail    info@amouda.com

Webstats4U - Free web site statistics