الحياة وراء
بسطة بيع ... بقلم : جوان فرسو
08.04.2010
يكافح الشعب السوري بجميع
طبقاته الاجتماعية في سبيل استمرار حياته
بسلام وتأمين لقمة العيش بعيداً عن منغصات
الحياة وما أكثرها، وإذا كانت بعض الدراسات
والإحصائيات -
وحتى شبه الرسمية منها ومن
خلال وسائل الإعلام المحلية -
تشير إلى أن 10% من الشعب
السوري يعيشون تحت خط الفقر فإن أكثر من 15%
من الشعب السوري يعيشون من وراء مشاريع صغيرة
يتكفلون هم فقط بإدارتها سواءً خارج أوقات
دوامهم الرسمي إذا كانوا موظفين أو كانوا
متفرغين للعمل في هذه المشاريع،
وتتميز هذه المشاريع
الصغيرة بأنها لا تحتاج إلى الكثير من رأس
المال ولا تحتل حيزاً مكانياً كبيراً، إذ
تتركز معظمها فوق بسطات صغيرة لحمل المواد
الاستهلاكية بينما ينحاز البعض الآخر إلى حمل
بضاعته بيديه لسهولة الحركة من جهة ولتمكنه من
الهروب من مكافحة التهريب أو شرطة البلدية وما
إلى ذلك من "جهات مكافحة لقمة العيش" على حد
تعبير البعض.
وتنتشر البسطات الصغيرة
لتشمل معظم مناطق العاصمة دمشق عدا عن
انتشارها بالأصل في جميع المحافظات السورية،
وأكثر المناطق والحارات التي يتمركز فيها هذا
النوع من المشاريع هي المناطق الشعبية
والسياحية التي يكثر فيها التواجد السكاني
والحركة حيث تعتمد في غالبية الأوقات على
الزبائن من عابري السبيل.
وتختلف أنواع البضاعة
التي يتم بيعها بشكل كبير بين بائع وآخر كما
تختلف أنواع البسطات، فمنها البسطات الصغيرة
جداً التي لا تحتوي على نوع معين من البضاعة
حيث يضع البائع ما توفر لديه من الأدوات دون
أن يجمع بينها أي تشابه أو أن يكون لنوع ما من
بضاعته علاقة بالنوع الآخر، فغالباً ما تجد
مثلاً حذاء نسائي وبجانبه نظارة رجالية
وبجانبهما إبريق شاي أو دفتر مدرسي ولعبة
للأطفال، وتكون جميع هذه المواد مستعملة أو قد
يتم العثور بينها على مواد جديدة، وتنتشر مثل
هذه البسطات في سوق الحرامية، حيث غالباً ما
تكون مسروقة، وأحياناً يكون البائع قد أحضرها
من منزله بعد أن أعلن إفلاسه أمام متطلبات
الحياة ليضطر إلى بيع أغراض منزله.
وهناك أنواع من البسطات
التي تحتوي نوعاً واحداً من البضاعة، كبائع
الجوارب أو العطور أو الحلوى، أو نوعاً واحداً
من ألعاب الأطفال أو نوعاً من الأدوات
المنزلية، أما من يعمل في هذه الصنعة فينقسمون
إلى عدة أقسام، وأبرزهم الموظفون الذين يعملون
خارج أوقات الدوام كمحاولة منهم لرفع مستوى
دخلهم وتأمين متطلبات الحياة.
ويختلف المردود المادي
لهذه البسطات سوى أنه ينحصر في إطار ضيق حيث
لا يمكن لهذه الأنواع من المشاريع أن تساعد
صاحبها في الارتقاء إلى مستوى من المعيشة أفضل
مما هو عليه، وأكثر البسطات فائدة هي بسطات
الدخان، والمواد المهربة مثل الكهربائيات التي
يتم تهريبها غالباً عن طريق لبنان.
ويلاحظ كثرة وجود الباعة
من الأطفال وغالباً ما يكون هؤلاء متفرغين
للعمل، الأمر الذي يشير إلى ازدياد نسبة عمالة
الأطفال وبالتالي الأمية والانحراف خاصة إذا
ما علمنا أن معظم هؤلاء الأطفال يتعلمون من
متشردي الشوارع التدخين وتناول المشروبات
المسكرة، ومشاهدة أفلام الخلاعة، وفي بعض
الأحيان التهريب والمخدرات، ويكون هؤلاء في
الأعم الأغلب من سكان المناطق الشرقية الذين
أتوا دمشق هرباً من الفاقة والعوز، ليرزحوا
تحت ثقل الأجارات والغربة وفقدان الدراسة
والتعليم والتشرد.
أما المشاريع التي يعمل
فيها أناس ولا تعود إلى ملكيتهم الشخصية فهي
أكبر من المشاريع العادية لكن ريعها في الغالب
يكون أقل بسبب استحواذ صاحب البسطة على النسبة
الأكبر من الأرباح، وتنتشر مثل هذه الأنواع من
البسطات في الكراجات ومواقف الحافلات وتعتمد
في الدرجة الأولى على المسافرين، ويشتكي
العاملون هنا من الاستغلال المادي الكبير الذي
يتعرضون له حيث لا يحصلون إلا على مبلغ صغير
جداً مقارنة بفترة الدوام الطويلة،
كما يُلاحَظُ انتشار ذوي
الاحتياجات الخاصة في هذه المجالات من العمل،
ويعمل هؤلاء في بيع المواد خفيفة الحمل
وغالباً ما يكونون على دراجات خاصة بالمعاقين
أو يكون هناك من يساعدهم في التنقل، وتكون
بضاعتهم بسيطة على الأغلب كمحارم الجيب
والبطاريات وبالونات الأطفال وكذلك علب
السجائر كون حمل هذه المواد الصغيرة والخفيفة
نسبياً لا تكلفهم جهداً عضلياً كبيراً.
كما يكثر البيع عند
النساء اللواتي غالباً ما يعملن لتأمين لقمة
العيش إما بسبب كثرة الأولاد أو بسبب وجود زوج
عاجز (معاق) في المنزل، غير قادر على تأمين
لقمة العيش، فتلعب المرأة دور الرجل والمعيل
دفعاً للعوز ومدّ اليد، وغالباً ما تكون
النسوة من بلدات أو قرى بعيدة، ويُحضرن
أطفالهن الصغار لمساعدتهن، حيث يقوم هؤلاء
الصغار بأعمال أخرى كبيع الكعك ومسح الأحذية
إضافة إلى ذلك كله يعانين من مشقة السفر
اليومي التي قد تستغرق ساعات، هذا إن لم نتحدث
عمّا يشكله عمل المرأة الريفية في المدن من
عبء، فهي لن تتخلص بحال من الأحوال من الألسن
التي ستلوك سيرتها عدا عن(طراطيش الحكي)
والطعن في الشرف والأخلاق..
وتحدث مشكلات كبيرة بين
محافظة دمشق وشاغلي الطرق من أصحاب البسطات،
حيث تقوم المحافظة يومياً بتنفيذ حملات لإزالة
ما تدعوه بإشغال الطرق على جانبي الأسواق
وتشمل هذه العمليات مصادرة البسطات وإزالة
واقيات مطرية يستخدمها هؤلاء الباعة، ويقابل
الباعة هذه الأعمال بالاستنكار، وكثيراً ما
تحدث مصادمات وعراك بالأيدي والعصي بين شرطة
المحافظة وبين الباعة، ويقول الباعة إنهم
يتكبدون خسائر فادحة في كل مرة تقوم فيه
المحافظة بمصادرة محتويات بسطاتهم،
فقد تعيل بضاعة هذه
البسطات المصادرة الأسَر التي تعيش وراء
مردودها لمدة شهر كامل، إضافة إلى أنها المورد
الوحيد الذي يسندون إليه كرامتهم.
ويطالب الباعة الجوالون
المحافظة -على الدوام- بتأمين سوق خاصة بهم
لممارسة نشاطاتهم التجارية بسلام، أو تأجير
الأرصفة لهم مقابل رسم إشغال سنوي، مشيرين في
الوقت نفسه إلى أن العديد من أصحاب المنازل
المطلة على الشارع قاموا بتحويل غرف في
منازلهم إلى محلات تجارية وتأجيرها بشكل مخالف
للقوانين دون أن يتعرض لهم أحد.
وتقول محافظة دمشق إن ما
تقوم به مديرية الخدمات من إزالة لإشغالات
الطرقات هو "عمل قانوني" فمن غير المقبول تعدي
الباعة على كامل الطريق، على اعتبار أن تساهل
المحافظة في قمع هذه الظاهرة فيما سبق ساهم في
تفاقم المشكلة.
ولا تعتبر هذه المصادرات
والإجراءات الحكومية كافية للتخلص من "البسطات
المخالفة" حيث يعود الباعة دائماً بعد مغادرة
عناصر المحافظة ويباشرون أعمالهم من جديد وكأن
شيئاً لم يكن، فطالما هناك محتاج وفقير في هذا
الوطن سيكون هناك وسائل لكسب الرزق لا تتناسب
مع القوانين التي تصر على استمرار الجوع.
http://www.syria-news.com/readnews.php?sy_seq=112635