ابراج

 

العاب

 

صور

 

مسلسلات

 

افلام

 

فيديو

 

اغاني

 

الرئيسية

 

 
 
 
 
 

 

 

قصة قصيرة بقلم هانس أندرسون

بسبب خمسة قروش



للكاتب التركي الساخر : عزيز نيسين


صحيح أن "روحي بك" هشم الجابي ومزق لحمه من أجل ليرة واحدة، جميعهم يومها لاموه على فعلته قائلين "أيعقل سفح الدماء من أجل ليرة؟، واه أيها الذئب!!". حتى أن البعض بصق على صورته عندما نشرت في الصحف قائلاً "ماذا لو مات الجابي؟!!..

لكن، لا أحد يعرف حقيقة الأمور، هل كان الجابي مذنباً أو لا؟.

ولا يمكن أيضاً اعتبار سبب هذه الجناية هو الليرة. لا شك أن هذه الليرة هي السبب الخارجي لتلك الجناية فلو قمنا بإلقاء الضوء على مجريات الأمور التي مر بها "روحي بك" لأدركنا السبب الرئيسي لتلك الجريمة.

قبض روحي بك معاشه الشهري ذلك اليوم، كان يوم سبت. ما بين يديه لا يكفي لسداد نصف ديونه. لذلك كان منزعجاً كثيراً. عندما دخل المطبخ كان أحد رؤوس موقد الغاز مشتعلاً والآخر مطفأ. قامت زوجته بإشعال عود ثقاب كي تشعل رأس الموقد، ومع اشتعال عود الثقاب وقبل أن تشعل رأس الغاز.

فرقع روحي بك غضباً على زوجته:

- كم أنت امرأة مسرفة.. بسببك لا تتصلح الأمور. تشعلين أعواد الثقاب مثلما يطلق الميارديريون رصاصتهم للتسلية. أيعقل إشعال عود ثقاب طالما أن أحد الرؤوس مشتعل؟. لم لا تشعلين ورقة من ذلك الرأس لإشعال هذا الرأس.

دخل الغرفة بعدما عصّب وصرخ وزمجر لدرجة أن أعصابه توترت تماماً. مع دخوله كانت ابنته تمزق ورقة من دفترها:

- لم مزقت ورقة من دفترك؟

- وقعت عليها نقطة حبر.

- مهملون. مسرفون.. لقد أجهزتم علي.

وانهال عليها ضرباً.

جن جنونه تماماً عندما رأى ابنه يقطع الخيط الذي ربطت به الكرتونة التي حملها من عند البقال.

- أنتم لا تعرفون قيمة شيء، هيا كبوا كل ما يقع بين أيديكم لنر ما هي آخرتنا في ذلك؟. الإنسان العاقل يفك تلك الخيوط ويلفها ليضعها جانباً. لأنك عندما تحتاج إليها ستركض إلى البقال لتشتري مثلها بمالك، أنتم تتصرفون هكذا بلا تعقل، طبعاً لن يكفي المعاش.

خرج من بيته منفعلاً وغاضباً دون أن يتناول طعام الغداء.

التقى بأحد أصدقائه ، صديقه أيضاً لم يتناول طعام الغداء. دخلا أحد المطاعم. هناك تناولا طعاماً بست عشرة ليرة. كلاهما مد يديه إلى محفظة نقوده. قال له روحي بك:

- اتركه مشان الله. أنا سأدفع.

رد عليه صديقه:

- لا يجوز.

- والله بزعل.

- لا! لا يمكن، لن أدعك تدفع. ياهوه مرة كل أربعين عاماً. أقول لا يجوز.

على كل حال كانت الأمور ستصل للزعل . وبما أن روحي بك كان مصراً على ذلك أكثر لأنه هو من طلب الطعام فيجب عليه لذلك تسديد الحساب، ناول الكرسون ورقتين من ذات العشر ليرات، أعاد الكرسون الباقي على صحن، قطعة ذات الليرتين والنصف، مئة وخمسين قرشاً فراطة.

لو ترك الفرط بخشيشاً للكرسون لكان قليلاً، ولو ترك الليرتين والنصف كان كثيراً، لذلك أخذ من الصحن قطعتين من فئة الخمسة والعشرين قرشاً وترك الباقي للكرسون الذي شكره وخرجا من المطعم.

روحي بك كان منزعجاً كثيراً، لذلك كان يجول في خاطره ما يلي:

- ولك حمار! لم لم تتغذ في بيتك؟... حسناً، طالما أنك لم تتغد هناك، لم لم تأخذ كعكة من هنا وسددت بها جوعك. وطالما لم تقم بذلك وبما أن الرجل راغب أن يدعوك إلى الطعام لم لم تدعه يسدد الحساب... ولك يا روحي الحمار أنت لن تصبح آدمياً.

كان منزعجاً كثيراً عندما افترق عن صاحبه. بعد لحظات التقى بصديق آخر:

- إلى أين يا روحي بك؟.

- والله خرجت هكذا.. إلى أي جهة كانت..

- هيا لنذهب إلى حانة شرب الشاي لنرتشف كأساً من الشاي.

- وما المانع؟ فلنذهب.

استقلا سيارة أجرة:

- هيا يا بني إلى الحانة.

توقفت السيارة أمام إحدى حانات الشاي، فنزلا. كلاهما مد يديه إلى محفظة نقوده كل منهما يحاول دفع أجرة السيارة.

- يوه ما بيصير والله ما بيصير.

- لا يمكن، اتركه، أنا سأدفع.

- والله أزعل..

- والله أكون بلا شرف إذا كلمتك فيما لو دفعت.

إصرار روحي بك كان أكثر لذلك هو دفع الأجرة سأل السائق:

- كم الأجرة؟

أجابه السائق:

- ما تجده مناسباً...

كم يدفع له؟.. من الأفضل أن يجعل السائق يأخذ حاجته لذلك مد له ورقة ذات الخمسين ليرة. أعاد له السائق سبع عشرة ليرة ونصفاً، ناوله روحي بك خمس ليرات بخشيش.

دخلا الحانة وطلبا سماور شاي. في هذه اللحظة راح روحي بك يكلم نفسه:

ولك روحي.. ولك يا روحي الحمار.. أنت لن تصبح رجلاً. ماذا تفعل أنت في هذه الحانة؟. لم لا تجلس في بيتك. ولك طالما أنك أتيت إلى الحانة لم لم تدعه يدفع أجرة السيارة! وطالما أنك دفعت للسائق لم تتخوزق أكثر؟.. لقد أخذ منك ذاك العاهر سبعاً وثلاثين ليرة ونصف وخوزقك.. ولك يا حمار طالما تخوزقت لم تعطه خمس ليرات كبخشيش؟.. انزعج كثيراً. حتى بات له طعم الشاي الذي شربه مثل السم.

وفي المساء عندما قاما لينصرفا مد كل واحد منهم يده إلى محفظته:

- اتركه علي.

- يوه. أنت اتركه.

- اتركه كرمى لله.

- إذا كنت تحب دينك اتركه.

- أقبل اتركه.

- دعني أكن عبدك ومعبودك واتركه علي.

وبما أن إصرار روحي كان أشد لذلك وقع عليه تسديد الحساب.

- كم الحساب يا بني؟

- سبع ليرات ونصف.

أعطاه ذات العشر ليرات.

- دع الباقي لك.

عندما خرجا راحت تجوب في أعماق روحي أفندي الأفكار التالية:

ولك يا روحي الحمار، ولك يا حيوان.. ولك أيدفع المرء سبع ليرات ونصف من أجل الشاي؟.. لم لا تشرب هذا الزقوم في بيتك ها؟.. طالما أنك شربت وانتهى فلم لم تدعه يدفع الحساب.. ولك بما أنك دفعت الحساب فلم لم تأخذ الباقي هاه؟.. ولك يا روحي يا حمار..

الكلاب تصبح بشراً أما أنت فلا.

استقلا سيارة أجرة. ثانية أخذا يتجادلان من سيسدد أجرة السيارة، وثانية استطاع روحي بك كسب الموقف وسدد أجرة السيارة . بعدها راح يكلم نفسه ولك روحي الحمار.

وهكذا افترق عن صديقه منزعجاً.

بينما كان سائراً باتجاه غالتا سراي التقى بأحد الأصدقاء.

لم يكن صديقاً. كان معرفة عابرة، فهو لا يتذكر اسمه حتى.. التقيا عدة مرات وحسب.

- أوه مرحباً.

إلى أين؟.

هكذا بلا اتجاه.

تفضل إلى إحدى الحانات لنشرب بيرة دبل.

دخلا حانة تتوسط مجموعة حانات اسمها تشيتشكتشي احتسيا كوبين من البيرة ثم أربعة ، ستة أكواب.

يا بني أضف إليهم الفودكا. وحضر لنا سلطة نخاعات.. وبعض الأشياء الساخنة.. أيوجد لديكم قريدس.. من فضل بعض المازوات الأخرى أيضاً.

الحساب مئة وسبعون ليرة.

مشان الله دعه.. أنا سأدفع.

والله لا يمكن.

يوه.. أنت ضيفي.

يا روحي أيجوز ذلك، أنا من دعا.

ياهوه مرة كل أربعين عاماً.

ثانية روحي بك سدد الحساب. مد يده للكرسون وأعطاه ورقة ذات المئة وورقتين من فئة الخمسين.

- الباقي لك..

خرجا والوقت قد قارب منتصف الليل. وفي أعماق روحي بك تتردد "هي يا حمار.. هي يا حمار!!"، ولك أنت، ألن تصير آدمياً؟..

لم لا تجلس وتتسمم في بيتك، طالما أنك قمت بحماقة فلم لم تدع الرجل يدفع الحساب؟ ولك يا روحي الحمار، وفوق ذلك تدفع كل هذا البخشيش للكرسون!

هكذا، وبكل ما يجوب في أعماقه من تناقضات افترق عن صديقه ركب الترمواي كي يتجه إلى بيته.

"تبه باشي" انفعالاته الداخلية والتي تتجلى بعبارة ولك يا روحي الحمار.. ولك يا حمار يا روحي. لم تفارقه حتى دخوله الترمواي.

لن ينسى مرارة مصيبته طوال حياته مهما كان متماسكاً.

تذكرة.. علي بتذكرة.

ناول روحي بك بائع التذاكر ليرة معدنية ذات خمسة وعشرين قرشاً، لم يكن يعرف، لأنه كان في حالة يرثى لها. عندما اقترب من الموقف الذي سينزل فيه اقترب من الجابي وقال له:

- لم تعد لي الباقي.

- أي باقي؟.. وأي نقود؟..

- ياهوه أما أعطيتك ليرتين ونصف؟..

- يوه.. أعطيتني ليرة واحدة.

- انظر إلي.. ولك، ألم تجد غيري كي تخوزقه؟

- أرجوك يا سيدي.. أنت لم تعطني ليرتين ونصف..

- شوفوا هذا شوفوا

- ياسيدي والله،..

لم يستطع الجابي أن يتحدث أكثر. فقد مد روحي يده إلى جيبه بهدوء واستل سكيناً صغيرة، وكانه سيبري قلم رصاص. حتى أن المتواجدين لم يعوا ما سيقوم به، إذ سرعان ما غرز نصلتها في فخذ الجابي.

ها هي بطولة روحي بك الذي تحدثت الصحف عنه وتصدرت صوره فيها والذي قام بجناية بسبب ليرة واحدة.

 

 

 

 

 

 

 
 
 
 
 
 

E-mail    info@amouda.com

Webstats4U - Free web site statistics