إيمان... زواج
الإكراه... و قائمة من الآلام!
|
 |
|
عامر خ مراد
|
27.10.2009
لم يكن لزواج الإكراه كما كان لبعض المسائل الأخرى
زمن ينتهي فيه ويزول, بل بقي هذا الكابوس جاثماً
على أجساد النساء تعاني منه واحدة هنا وأخرى هناك,
دون أن يكون من رادع ومدافع حقيقي ضده, ولازالت
القصص تسرد كل يوم عن هذا القانون اللإنساني,
لتثير تفاصيل كل تلك القصص الاشمئزاز في النفس من
هذا الفعل الذي يمارسه الرجل بحق المرأة, وما قصة
الفتاة إيمان إلا واحدة من آلاف القصص الواردة في
كتاب الحكايا الواقعية والتي تجري يومياً في هذا
الموضوع.
بدأت القصة بموت والد إيمان, الذي يملك من المال
الكثير, في دمشق بعد أن أودى خطأ طبي بحياته,
والذي يملك كذلك ستة فتيات لا حول لهن ولا قوة,
وما أن دفن الأب حتى أجبرت الزوجة على القدوم إلى
القامشلي للعيش بالقرب من أهل زوجها الذين كانوا
الأوصياء والأولياء على أمرها, وفقط لأنهم أرادوا
ذلك, وبدأ على يد ذوي القربى هؤلاء الضغط على
الزوجة والبنات البائسات, وبدأت مختلف أنواع وصنوف
الإكراه وكان أصعبها وأكثرها وطأة وتأثيراً في
الوجدان ما لحق بالفتاة إيمان التي أجبرت وهي في
الثالثة عشرة من عمرها على عقد قرانها على ابن
عمها, الذي لم ترضى به وتم تأجيل الدخلة شيئا
فشيئا, وكل يوم كانت الأسرة تتعرض لنوع جديد من
الويلات على يد الأهل نكاية برفض الفتاة, وهذا ما
أدى بإيمان إلى محاولة الانتحار كآخر الحلول حيث
ألقت بنفسها من على سطح المنزل, ولكن القدر لم يرد
لها إلا أن تبقى تحت رحمة ما تعانيه أخواتها
البنات وأمها, فعانت من جروحها التي كانت أهون
عليها من جروح القسوة عليها من أعمال وأفعال الأهل,
وبعد فترة وجيزة حاولت الفتاة أن تعيش وتحمل سلاحا
يحميها من هؤلاء وكان هذا السلاح هو الدراسة,
فدرست سرا وقدمت البكالوريا ولأنها كانت تحتاج هذا
السلاح وتتوق له وتسعى له بجد فلقد نجحت, وجمعت من
العلامات ما يؤهلها لدخول الجامعة, وبالفعل سجلت
سرا في المفاضلة وقبلت في قسم اللغة العربية في
دمشق, ولكن القدر لم يتحالف معها إلى النهاية ولم
يعنها أبدا وكعادته, فلقد علم الأهل بهذا السر
الذي يمثل لإيمان الخلاص وهنا كانت الكارثة فلقد
أخذ منها ابن عمها هويتها الشخصية ومنعها من
الدراسة بعد أن أنهت السنة الأولى, وبعد جهد جهيد
اقترح عليها الأهل الموافقة على الدخلة مقابل
إكمال دراستها في الجامعة, ولكن هل لإيمان القدرة
على الموافقة على هذا الاقتراح الذي ينهي كل طموح
لها مع شاب لا ترضى العيش معه؟.
فكيف سيكون ردها وهي التي وقعت بهذا الاختيار بين
نارين أفضلهما أمر من الآخر, فأن تترك الدراسة
مقابل رفض العريس فهذا يعني تخليها عن كل ما أرادت
الحصول عليه عبر الدراسة, وأن تختار العريس
والدراسة معا فهذا يعني لها أيضا نوعا من الانتحار
الذي ستعيش تفاصيله كل يوم, وتبقى الثقة هي التي
ستلعب الدور هنا فهل يمكن الوثوق برجل كهذا, أي ما
هو الضمان لأن يعمل هذا الرجل على تنفيذ وعده, وهي
التي سترتبط بالدراسة أكثر من ثلاث سنوات؟.
إن حياة كهذه تستحق أن يقف المرء أمامها لينظر في
الحل لما فيها من معضلات, وأن يتخلى عن كل
لامبالاة تجاهها لأنها تمثل حالة إنسانية, وهي في
النهاية ليست حالة فردية كما قد يظن البعض, بل
إنها حالة يمكن أن تتعرض لها كل أسرة وكل امرأة,
بل لقد تعرضت له بالفعل الكثير من الأسر والكثير
من النسوة.
إن تولي الرجل لأمر المرأة ربما يون مقبولا إلى حد
ما في مجتمعنا, ولكن أن يلعب هذا الرجل بمصير هذه
المرأة فهذا ما لا يمكن قبوله لأنها تبقى في
النهاية سيدة نفسها طالما أنها لا تؤذي أحداً بما
تقوم به وتسلط الرجل يبقى في هذه الحالة بلا معنى
وبلا جدوى, ويظل مجرد تمرد على حرية المرأة التي
ستحاول بشتى الوسائل التخلص من هذا التسلط, وحينها
لن تحمد العواقب, فهل ننتظر من المرأة أن تنتحر
كما حاولت إيمان, أم ننتظر منها أن تخضع لأمرنا
دون النظر في رغباتها وأمانيها كما يحاول أهل
إيمان إجبارها؟.
المصدر :
مجلة ثرى