جوان فرسو
في إطار المعمعة الفكرية للأيقونات
الثقافية الجاهزة ضد الشاعر السوري الذائع الصيت(علي أحمد
سعيد إسبر) المعروف باسم(أدونيس) لزيارة قام بها إلى أقاصي
بلاد يعتبرها العرب بلادهم ثم يتبرؤون ممن يدوس ترابها،
فإنه لا بد من لملمة الشمل العقائدي والفكري لهؤلاء ميسوري
الحال الثقافي واليتامى الذين فقدوا جذورهم الإدراكية
وأيديولوجياتهم الجاهلية ليعملوا جاهداً في العودة إليها
لا في ترقيتها..
(ويحكُمْ..واحداً واحداً ..)ألم تجدوا غير
أدونيس تصبون عليه جام جاهليتكم؟!!
لقد كفى أدونيس ووفى في الرد على هؤلاء
السادة الذين استهجنوا زيارته إلى إقليم كردستان العراق،
وأنا على يقين من أن الرد كان بمثابة خريطة الطريق الفكرية
للتائهين بين خمريات أبي نواس وحبكات شكسبير، لكن وفي
الوقت آنه ولعل أدونيس يشاطرني الرأي بأنه لا جدوى من قرع
الأواني درءاً لصمود القمر مختفياً في خسوفه أمام الصراخ
فإن هو ولى ولى وإن هو دام دام.. ومن هنا فإن قرع الأواني
المنطقية أمام السفسطائيين الجدد -إن صح التعبير- لا يجدي
نفعاً ولا جدوى منه إذ لا يرد كل هذا القرع عقولهم
المجبولة على الخسوف أبداً... كيف لا والتاريخ والفكر
الإنساني بأكمله يقف كالملسوع أمام الجمود الفكري والأدبي
العربي أمام أعظم بيت يصور حالتهم ولو كان هذا البيت قد
ألقي على حجر لنطق أو على جبل لرضخ:
لقد أسمعت لو ناديت حياً
ولكن لا حياة لمن تنادي
ومهما يحصل فإنني كمتابع للمشهد
الثقافي المعرض بالألوان العربية على مسرح الأدب العربي
أجد أنه من الضروري عقد مؤتمر فكري أدبي يحضره جل المثقفين
والكتاب والنقاد والمفكرين من أصحاب الجلالة والفخامة
والسمو الأدبي، المغتربين نحو التمرد والمقيمين تحت نير
الجاهلية، الأحياء منهم والأموات، ليقرروا ما إذا كان
بمقدورهم أن يقرروا الشروط الواجب توافرها ليكون الكاتب
وطنياً وقومجياً بالدرجة الممتازة، أو إن اختار أن يكون
عميلاً أو صعلوكاً أو مرتزقاً بالمعايير العصرية، وهنا
تكتمل القيود الخليلية المفروضة على الشعر العربي وتزدان
بقيود جديدة على المقال والرواية والقصة والخاطرة وحتى على
العقل العربي أو الأعجمي الذي يفكر أو يكتب بالعربية،
ليندحر الفكر العربي أكثر مما هو مندحر ولتتلاشى الحضارة
التي لا زال الغرب أنفسهم يتغنون بأمجادها التي أصابها
أنفلونزا الكسل، وبتعبير آخر لتنقرض الحضارة العربية، أو
لينقرض العرب.. وهو ما قال به (أدونيس) فكانت معركة داحس
والغبراء.. فما كانت؟؟؟
وعلى ما يبدو فإن أدونيس كان على غير
المتوقع قد فاجأ الأوساط العربية بزيارة خاطفة إلى إقليم
كردستان العراق وهو لا يدري أو ربما تناسى الخيال المريض
لدى البعض والذي قد تصور لهم الزيارة إلى العراق هذه المرة
وكأنها إلى إسرائيل ومحاضرته في إقليم كردستان العراق
وكأنها في تل أبيب... حسناً.. لكن الذي صعق المسترزقين من
منهل القومية والضاربين بسيف السلطان الأممي قد وجدوه بعد
فوات الأوان طعنة في أظهرهم نسبوها بلا تردد إلى (أدونيس)
نفسه الذي وعلى طريقته المعتادة وصف الحضارة العربية بأنها
في طريقها إلى الانقراض.. رغم أنه كرر هذه العبارة لأكثر
من مرة في غير مدينة عربية(دمشق – القاهرة – بيروت) ووجد
أنه لا بد من الرد على الذين قولوه ما لم يقله حول (
الحضارة العربية جثة نتنة) وهكذا كانت الحرب والرد على
هؤلاء من قبل (أدونيس) وكان الكر والفر الأدبيين
والفكريين، وأورد أدونيس مجموعة من النقاط التي تدحض منطق
هؤلاء وتشير بلا شك إلى كونهم مغردين للمنطق المجبول في
حنجرة الببغاء لا أكثر ولا أقل، ولعل من الواجب الذي يحتمه
علي ضميري أن أتساءل أمام هؤلاء ربما كان بمقدورهم يوماً
ما الرد ولو بصمت وهو المتوقع:
-
إذا كان الشعور القومي لدى الأكراد تجاه
إقليم كردستان موضع حساسية لكل من يرى أن هذا الحلم القومي
يشكل خطراً على وحدة العراق، إذاً لماذا ينظر في الوقت
نفسه إلى إقليم كردستان العراق وكأنه جزء منفصل عن الوطن
الأم؟!
-
إذا كان للحقيقة بين الغرباء طعم المرارة
أكثر منه داخل البيت، إذاً لماذا لا يزال هؤلاء ينظرون إلى
إقليم كردستان العراق على أنه جزء من العراق؟!(إنهم غرباء)
-
بأي حق يتم وضع القيود والحدود والثغرات
الفكرية في التعامل مع ثقافة الآخر؟!
-
لماذا لا تقام القيامة أو تقعد إذا ما
تكررت نفس الحادثة بتفاصيلها في القاهرة أو طرابلس أو
عمان؟!
النظر بمنظار الذات إلى الآخر هو
انتقاص من قيمة الآخر في ديوان الذات وبالتالي هو تعرية
للذات في مجلس الآخر، ومن هنا -لا من هناك-فإن الفكر
الأيديولوجي النقدي العربي قد يلغي شاعرية المتنبي لكلمة
قالها في غير موضع رغبة البعض بها أو قد يعلي من شأن بشار
بن برد في مدح لسلالة عربية أصيلة، سبحان الله.. نفس
المنطق الذي يتحدث عن امرأة مسلمة دخلت النار في هرة
حبستها لا هي أطعمتها ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض، أو
المنطق الذي يتحدث عن مشرك بالله آمن قبل رحيله عن الدنيا
بثوان ونطق بالشهادتين فإذا هو في الجنة ينعم بأربعين من
الحوريات اللواتي نسين ماضيه فنسي ماضيهن، إذا كان المنطق
لدى البعض من النقاد على هذا المنوال إذاً لا بأس من أي
موقف لأي طرف طالما أنه اضطرار الحاضر ومتغير المستقبل..
(يتبع.. طالما لعب الغاوون).