تمرد الابناء هل هو بداية لبناء شخصيتهم؟

10.09.2009
د
. سبوك
ترجمة منير عامر
يقول هنريك ابسن في مسرحية "سيد البنائين" على
لسان الجيل القديم : ( سيأتيني يوماً من يطرق
بابي ليقول لي افسح الطريق , فأنا الجديد ) .
بين كل اب وابن هناك حوار سري , يقول فيه الاب
للابن : ( لابد ان اختلف عنك . لابد ان تكون
لي شخصيتي المستقلة , لابد ان يكون لي رأي
يختلف عن رأيك ) .
ويقول الاب للابن : ( لابد ان تتفوق على
انجازاتي . اريدك ان تكون افضل مني ) .
ويرد الابن : ( لا داعي لان تجرني الى منافستك
. لن اكون كما تريد , ولن احقق لك احلامك
المكسورة . سأكون شخصية مختلفة عنك في كل شئ )
.
ونفس مضمون الحوار بين الام وابنتها . تقول
الابنة : ( لم يعد الزمن زمنك . لقد راحت عليك
. اصبحت انا الانثى الجميلة المتفوقة . سأكون
مختلفة عنك في كل شئ . ولن افقدك ابدا ) .
وتقول الام : ( لابد لك ان تتفوقي في حياتك ,
لابد ان تكون حياتك افضل من حياتي ) .
فترد الابنة : ( انا اسفة . ان حياتك كلها لا
تعجبني , لن احاول تقليدك ابدا , سأخرج بقطار
عمري عن القضبان التي سار عليها قطار عمرك ) .
وهذا الحوار لا يجور بالكلمات , ولكن بالساوك
وفيه يلحظ الاب وتلحظ الام علامات تمرد
المراهق او المراهقة .
قد يبدا التمرد والاختلاف من اصرار المراهق ان
تكون وسيلة الترفيه عن نفسه مختلفة , فأذا كان
الاب يحب سماع عبد الحليم حافظ وعبد الوهاب
وام كلثوم وفرانك يسناترا وأديث بياف , فأن
الابن يفضل ان يسمع فرقة الـ ( آبا ) و ( علي
حميدة ) و ( مايكل جاكسون ) .
قد يفضل الاب رؤية لوحة ( رامبرانت ) , لكن
الابن لن يفضل حتى ( بيكاسو ) لو كان الاب
يفضله , وقد يؤيد الاب حزبا سياسيا معينا او
شخصية تاريخية لها بطولة ما , لكن الابن سيبحث
عن نقائص هذا الحزب او نقائص تلك الشخصية
السياسية , وسيعلن انه يسير في الخط المضاد .
ومن السهل جدا ان يظهر هذا التمرد في اختيار
المجال الدراسي , فأذا كان الاب قد درس الطب
فأن الابن سيحاول الا يدرسه في البداية , وقد
يعلن عن هذا التمرد ظاهريا , وقد يرى انه من
المناسب له دراسة الطب واختيار تخصص آخر غير
تخصص الاب . ومثل ذلك يحدث بين الام وابنتها .
مثل هذه الالوان من التمرد لا تنفي ان المراهق
يحترم والده لمميزات يراها جديرة بالفخر ,
وتحترم المراهقة والدتها لاسباب تراها جديرة
بالأحترام , وبجانب ذلك يرى المراهق في سلوك
الوالد ما يزعجه ويثيره.
ان الاب في نظر الابن يملك الكثير ويسيطر على
الكثير . ان ملابس الاب قد تثير المراهق فيرى
ان والده يرتدي افخر الملابس , لكن هذا الوالد
يقول لابنه : ( لن اشتري لك السترة الجلدية
الغالية لانك في عمر النمو وما يصلح لك هذا
العام لن يناسب جسدك في العام القادم ) . وقد
تقول الام لابنتها : ( من المستحسن ان تاخذي
حذائي القديم لانه يتناسب معك ) . هنا تثور
ثائرة الابنة : ( لماذا يفضل الاب الكبار
انفسهم على من هم اصغر منهم ؟ ) . وقد يظهر
التمرد في شكل آخر , فعندما يكتشف الابن ان
سلطة والده تشمل كل من في المنزل , فأنه
يتساءل : لماذا يسيطر ابي بهذا الشكل ؟ .
وعندما ترى الابنة ان سلوك امها ملئ بالاحتشام
فقد تقول : ( لماذا تتصرف امي على هذا النحو
من التخلف ؟ ) .
ويزداد التمرد في حالة السيطرة المباغ فيها من
الام او الاب .
وهذا التمرد هو في الحقيقة استكمال لرحلة
المنافسة التي بدأت بين الابن وابيه منذ ان
كان في الرابعة او الخامسة او السادسة , وكذلك
الحال بالنسبة للفتاة .
ان الابن يستأ،ف التمرد لانه صار ناضج الحجم
فقط , ويخيل اليه انه صار ناضج الخبرة ايضا .
انه يحاول التدخل في كل صغيرة وكبيرة , انه
يبدي الرأي في ديكور المنزل و وهو يريد ان
تصبح حجرته الخاصة في المنزل – ان كان له حجرة
خاصة – افضل من حجرات زملائه واقرانه في
منازلهم .
والفتاة تبحث عن نواحي النقص في ادارة الام
للبيت وتستكملها , انها تنظر – على سبيل
المثال – الى قوائم الطعام الموجودة بالمجلات
وتحاول ان تقوم بأعدادها وتصر على ان يبدأ
طعام الافططار في ميعاد محدد وان ترتب المائدة
وكأنها افضل مائدة في العالم , وقد تلتفت الى
الحمام لتنظفه تماما , وقد يحصر الابن نفسه في
ترتيب غرفته وكذلك الفتاة .
انك كشاب تحت العشرين تعرف انك صرت في تمام
الرجولة او ادنى من تمامالرجولة قليلا ,
وسيكون لك عملك الخاص , وستستطيع ان تتزوج وأن
تكون منزلك الخاص , ويزعجك ان يعتبرك والدك
ووالدتك ومجتمعك مجرد كائن صغير السن .
وانت كفتاة تحت العشرين عندما يسألك احد عن
سنك فأنك تزيدين من عمرك سنة , لانك ترغبين في
ان تكوني اكبر عمرا , وترين ان دورك قد اتى
لتكوني تلك الشابة الجميلة التي تجذب عيون
الجنس الآخر , وسيأتي من يدق باب قلبك ليسألك
ان تكوني له زوجة , وسيكون عندك اطفال وهذا
الاحساس يعطيك الدافع لان تسلكي بطريقة تشعر
معها والدتك انك تدفعينها جانبا . وقد لا
تفعلين ذلك الا في لحظات الغضب .
وفي المجتمعات الريفية تجد الابن يقول لابيه :
( لقد نعبت , دعني اقم بالعمل في الحقل وحدي )
. وقد تقول الابنة لامها : ( لقد تعبت طوال
الايام والسنوات , دعيني اقوم بأعمال البيت )
.
يحدث ذلك في مجتمعاتنا الريفية , بينما يحدث
في المجتمعات الامريكية امر مختلف فعندما لا
يستريح الابن المراهق للهجة والده المسيطرة ,
فهو يخرج من البيت , وكذلك تفعل الفتاة , وفي
النهاية يحاول الشاب الامريكي ان يستمر في
التحدي وان يواصل حياته الى ان يتقن عمله
ويصبح له دخله الخاص بعد الكثير من تجارب
الفشل . وتواصل الابنة الفتاة رحلة التحدي ,
وتبني حياتها الخاصة.
وآباء وامهات هذه الايام يحاولون بكل الطرق ان
يكونوا اقل سطوة وسيطرة على جيل الشباب , ان
الاب في هذا الزمان يحاول ان يكون متعقلا في
اوامره للابن . والاب والام يمارسان في عصرنا
الكثير من الكرم في قيادة البنت او الابن , ان
احساس الآباء والامهات بتشجيع الابناء صار
مرهفا في هذا الزمان , وكل منهم يحاول ان يكتم
شعوره بنفاذ الصبر , والآباء والامهات يحاولون
كتمان صرخات الرفض لبعض من تصرفات الابناء ,
ويحدث كل ذلك في محاولة من الاباء والامهات من
اجل تدريب الابناء على تعلم قواعد السلوك
المهذب . والابناء يحاولون الامتثال رغم بعض
مظاهر الغضب والتذمر , وليس حقيقيا ما نقرؤه
عن انحراف كل الجيل الجديد , لان الانحراف جيل
بأكمله مسألة مستحيلة . وكل ما يحدث ان وسائل
الاعلام تضخم في انحرافات نفر قليل من الاجيال
الشابة . اننا لا نرى الابناء يضربون الآباء ,
ولا نرى الابناء يهينؤن الآباء.
ان اهانة الصغار للكبار امر لا يحدث الا نادرا
, وتقوم له الدنيا وتقعد.
وفي بعض الاحيان يأخذ تمرد الابناء شكلا اخر ,
هذا الشكل يثير انزعاج الام تماما , فهي تجد
ابنها اثناء مراهقته كثير النقد لها.
ان الابن يحول ثورته ضد الاب لتصبح نقدا للام
في مظهرها وسلوكها , وتراه يتفجر بالغضب عندما
تذكره امه بضرورة القيام بواجباته الناقصة ,
وهناك شكل اخر لثورة الابناء ضد الآباء : انه
عقاب الابناء للآباء بالفشل الدراسي . ان
الاسرة تفاجأ بأن ابنها المراهق يفشل في
الدراسة رغم انه قد نجح في السنوات السابقة
بتفوق , ويكون الفشل الدراسي نتيجة لاهمال
الابن لمسؤولياته الدراسية او لذهابه الى
الامتحان دون ان يقرأ المادة التي يجب ان
يؤديها في الامتحان , وتفاجا الاسرة بأن الابن
صار كثير الجدل في الحصة الدراسية مما يجعل
المدرسين يضجون بالشكوى منه , ويرفض ان ينفذ
اوامر المدرسين , انه يحول ثورته على ابيه الى
ثورة على المدرس , وانا لا اتحدث هنا عن الطفل
المعدم الذي يذهب الى المدرسة دون افطار , ولا
اتحدث عن الابن الذي يحيا في دوامة المشاكل
الاسرية , ولا اتحدث عن الابن الذي لا يؤمن
اصلا بجدوى التعليم , بل اتحدث عن ابن تتوافر
له الامكانات ولا ينجح دراسيا . وقد يتاجل
ظهور الفشل في حياة الاب حتى المرحلة الجامعية
, وخصوصا في حالات الابناء الذين يدرسون في
نفس دائرة تخصص الآباء , ان الفشل هنا ينبع من
ان الابن يخاف في الدخول في مباراة مع الاب
عندما كان في الخامسة او السادسة , ان هذا
الخوف المتولد بشكل غير منطقي في اعماق الابن
قد يكون لعدم ثقة الابن في قدرته على الاجادة
في العمل مثل ابيه ولذلك يخاف من الاحساس
بالمهانة . وقد يكوون خوفه نابعا من توهم غير
منطقي بانه لو تفوق على الاب فأن الاب سيعاقبه
.
وما سبق هو مجرد امثلة لمشاعر اللاوعي التي
تتشعب وتكمن ثم تظهر اثارها في السلوك . وهذه
الامثلة لا تحلل كل اسباب الفشل الدراسي ,
انما يأتي استخدامها هنا لنشر بعض من مشاكل
المراهقين.
ومثل هذا الفشل الدراسي له هدف اخر في اللاوعي
, انه يعذب الآباء والامهات المتطلعين الى
نجاح الابن في الدراسة , وهذا واحد من اكثر
انواع العقاب اللاواعي للآباء .
ان الابن لا يقصد ذلك بل انه يبذل كل الجهد
للنجاح الدراسي .
وتظهر احيانا صعوبة الدخول مع الآباء في
مباراة التنافس على نحو مختلف , فعندما يسأل
احدهم شابا في السادسة عشر عن المهنة التي
ينوي احترافها , فقد تكون اجابة الشاب : ( لم
احدد بعد , الا انني متأكد من شئ واحد وهو
انني لن اعمل في الميدان الذي يعمل فيه ابي
لانه مجال لا يعجبني على الاطلاق ) .
هذا هو العمر الذي تظهر به عدم ثقة الابن في
قدرته على منافسة الآباء . ولكن هذا الابن
عندما يصل الى الثامنة عشر قد يسأل والده
الطبيب : ( لماذا يقررون علينا ان كل هذه
الكمية من دروس الكيمياء ؟ ) فيجيب الاب : (
انهم يفعلون ذلك من اجل الطلبة الذين سيدرسون
الطب ) .
هنا يقول الطالب : ( لعلها تساعدني انا ايضا
اثناء دراستي للطب ) . ان الابن يقول ذلك
وكأنه يلقي بخبر يعرفه الاب من قبل , رغم ان
الابن لم يسبق له ان اخبر والده بذلك . ان
الفتى في مثل هذه الحالة يكون قد نضج بما فيه
الكفاية فلم يعد يشعر بالخوف من المنافسة مع
الاب , وبعض من الوان التمرد قد تكون مفيدة ,
كأختيار الابن لهواية فنية لا يرضى عنها الاب
ويتفوق فيها الابن , وفي مجتمعنا الكثير من
الامثلة على ذلك , مثل ( توفيق الحكيم ) الذي
كتب الرواية والمسرحية على الرغم من معارضة
اهله الفن , ومثل ( يوسف وهبي ) الذي درس
التمثيل .
وهناك الوان من التمرد لها طابع سلبي وان كانت
تعبر عن الرغبة في الاحتجاج و مثل ارتداء
الشاب لملابس الجينز في مناسبات رسمية , او
الذهاب الى المدرسة او الكلية دون غسل الوجه
او الاسنان , او ترك الغرفة التي ينام فيها
دون ان يقوم بتنظيمها وترتيبها , انها فوضى
تذكرنا بأيام بأيام ظفولته عندما كان يعلن
امتعاضه واستيائه لاتفه الاسباب .
والمشكلة الاساسية الهامة التي تواجه الشاب او
الفتاة اثناء المراهقة , ورغم انه لا يفكر
فيها بصورة واعية , هي مشكلة الهواية , انه
يبحث عن هويته الحقيقية , انه يفكر في الشخص
الذي سوف يكونه , وكيف يبدأ الطريق الى بناء
هذه الشخصية , ولا نعني بذلك نوع العمل الذي
سيختاره لنفيه او الهوايات التي يمارسها ,
ولكن نعني البنيان الشامل للشخصية , انه يفمر
في كيفية تفكير اصدقائه و واسلوب حياة عائلية
, وكيف يسلك الوان السلوك التي تؤكد له انه
انسان مستقل .
ويتحكم في بناء الشخصية الشامل ثلاثة عناصر
رئيسية :
اول هذه العناصر هو الشخصية السابقة له اثناء
الطفولة , لقد حاول الطفل منذ عامه الثالث ان
يقلد اباه , وحاولت الفتاة ان تقلد والدتها .
ان الشخصية السابقة للشاب او الفتاة كان مجرد
انخراط في سلوك الوالدين , والشاب في مرحلة
مراهقته يحاول ان يصل الى الاستقلال , لذلك
يبدأ في تحطيم اعتماديته المطلقة على اسرته ,
لا بمعنى ترك البيت والحياة بعيدا عن الاسرة ,
ولكن الشاب يحاول ان يدرس ما حوله ويدرس
افكاره واهدافه الخاصة , ويتعرف على المشاكل
التي يعيش فيها مجتمعه , ويبدو الشاب متطرفا ,
نافذ الصبر , كثير النقد لمجتمعه , هذه هي
الصورة الخارجية , لكن الصورة الداخلية التي
في اعماقه تختلف , انه يفكر في حلول جديدة
للمشاكل التي يواجهها المجتمع , تلك المشاكل
التي تعايش معها الآباء , لكنها تبدو بالنسبة
للشاب وكأنها الغرق في الوحل .
والعنصر الثاني الذي يتحكم خفي بناء الشخصية
هو مدى قوة التمرد واتساع افق الشاب ليعرف على
اي شئ يتمرد , ان الشاب الذيي يحصر تمرده في
اطار النلابس الغريبة او قص الشعر على الموضة
السائدة , ولا يتعمق في فهم ظروف مجتمعه ويدرس
لماذا يعيش مجتمعه كل تلك المشكلات , مثل هذا
الشاب سرعان ما يخبو منه التمرد , ولا يبقى
منه ما بوصله ويصقل شخصيته , اما الشاب الذي
يدرس مشاكل المجتمع فيمكنه بفكرة بسيطة ان
يطور مجتمعه , واالعالم المعاصر فيه من
المشاكل ما يحتاج الى جهد الكثير من الشباب
وموهبتهم , ليفعلوا مثلما فعل السابقون منهم ,
ان التاريخ يضم الكثير من قصص التقدم
والابتكار والاكتشافات العلمية والمدارس
الفنية والمذاهب الفلسفية , وابطال تلك القصص
الواقعية كانوا مجرد شباب على ابواب مرحلة
النضج , وكانوا قادرين على نقد وتقييم انجازات
الماضي وامتلاك القدرة على اكتشاف احتياجات
مجتمعاتهم , واستطاعوا ان يتقدموا بأفكارهم
واعمالهم ليطوروا مجتمعاتهم الى الافضل .
