|
نازلي خليل تضع ضريح حامد بدرخان في كتاب ثمين ...!
 |
|
داريوس داري - زاكروس عثمان |
حقيقة الإنسان ليست بما يظهره لنا , بل بما لا يعرف أن يظهره
من جوانب حياته ,
فإذا أردت أن تعرف فلا تصغ إلى ما قاله لك , بل أصغ إلى ما لم
يقله بعد...!
رابطة لا تجمع
إلا بين العظماء, هي تلك العلاقة ما فوق الإنسانية التي جمعت
بين الشاعر الراحل حامد بدرخان والسيدة الجليلة نازلي خليل ,
علاقة لا يمكن فهمها أو استيعابها بمنطق البشر , كان لها دور
محوري في ميلاد حامد بدرخان الشاعر الثائر , الإنسان الرقيق
الفياض بالحس الإنساني الذي لا حدود له , حتى تخال أن بدرخان
لا ينتمي إلى قومية أو وطن أو ديانة , كونه اتخذ الإنسان عشيرة
له واتخذ كوكب الأرض موطنا له , نعم من يعيش بجوار سيدة مبجلة
لا بد أن يسمو فوق الأعراق والألوان والأوطان والأديان ,
ليتعلم منها حب الإنسان وحب الكوكب الذي يعيش عليه , نعم لقد
كان شاعرنا عظيما في موهبته وفي نظمه للشعر وفي قوة تعابيره
وكبيرا بالمضامين التي احتوتها قصائده , ولكن علينا أن نسال عن
مصادر وحيه وإلهامه , أنها نازلي خليل , التي منحته من الروح
ودفق الأحاسيس ما يعجز إنسان أن يقدمه إلى إنسان , في سموها
الإنساني تعلم بدرخان أن يحب الزنوج والملونين والبيض وان يكرس
شعره للمظلومين أينما كانوا , ليغني لفقراء أسيا وعبيد أفريقيا
وثوار الحق حول العالم , حيث وجد في وطنه الكردي أوطان الشعوب
كلها, فكان نشيد الحرية لديه لكل الأوطان والشعوب , ووجد في
إنسانه الكردي ذاك الكائن المسحوق المظلوم المقهور , فدافع عن
كل المقهورين على البسيطة , إذ يمكن القول إن بدرخان في
بداياته كان مناضلا يساريا ثوريا خامة لمادة ثمينة , ولكن
نازلي هي التي صاغت هذه الخامة إلى جوهرة لا تقدر بثمن , فتحول
الثوري إلى شاعر مليء بالحس الإنساني المبدع , الذي تشهد عليه
قصائده , ومهما قلنا فإننا لن نفي هذه السيدة حقها في تثمين
الدور الذي لعبته في خلق شاعر كبير مثل بدرخان .
لقد رحل بدرخان
,وكاد أن يقع في طي النسيان حتى من لدن محبيه ومتذوقي شعره ,
ومن قبل الذين استغلوا اسمه الكبير في جوانب أخرى لا تمت إلى
الأدب بصلة , لقد نسيه الجميع , وما كانوا يتذكرونه إلا في
الأمسيات العقيمة ليتحدثوا عنه ليس احياءا لذكراه ولا تثمينا
لمقامه ,بل ليستظلوا بظله ويسجلون أسمائهم من خلاله , في ظل
هذا التناسي والإجحاف , وحدها هي التي أخلصت له العهد والوفاء
دون مآرب أو غايات خفية , بل أيمانا منها بشخص الراحل واعتقادا
منها انه يستحق أن تبقى ذكراه حية ماثلة أمام الجميع , في عمل
ملموس اكبر من كلام الندوات , أو حوارات التباهي بالحديث عن
بدرخان في النوادي وشوارع الأدب , إذ سرعان ما تبتلع شقوق
الجدران هذه الكلمات وتضيع ذكرى شاعرا يستحق منا أكثر من ذلك ,
لكل هذا أقدمت نازلي على عمل لم نكن نتوقعه منها بل من
المشتغلين على الأدب والسياسة ممن تمسحوا كثيرا باسم بدرخان في
حياته , هذا يسحبه إلى مدرسته وذاك يجره إلى تياره الإيديولوجي
, وحين رحل سكت الجميع ولم يكلفوا أنفسهم عناء المحافظة على
مقام هذا الاسم الكبير,فإذا بنازلي تدهشنا بعمل جليل ينم عن
مدى سمو روحها , وتثمينها للشعر , وإخلاصها لصداقة امتد عمرا
بينها وبين بدرخان , لتقدم لنا كتاب رائع عن حامد بدرخان يشمل
أعماله الشعرية كاملة , الكتاب تحفة جميلة من حيث المضمون ومن
حيث الإخراج والطباعة والتجليد , وهو ثمين في قيمته المعنوية
والفكرية والمادية ,يغني المكتبة العربية والكردية , بكلام آخر
أن السيدة نازلي قد تعبت كثيرا حتى استطاعت أن تجعل هذا العمل
الضخم يجد النور ويصبح بين أيدي القراء , ليس من السهل أن تجمع
قصائد الشاعر وترتبها وتنسقها بين دفتي كتاب تجاوزت صفحاته الـ
900 صفحة , وليس من السهل أن تستطيع طباعته ونشره مجانا ,
لأننا نعرف أن المؤسسات الأدبية والحزبية تتهرب من أعباء حمل
مهمة بهذا الحجم , التي حملتها نازلي بمفردها ونجحت بجدارة في
أداء رسالتها الإنسانية هذه , وليس لنا أن نثمن هذه الانسانة
العالية سوى بكلمة شكر مقتضبة لأننا مهما نقشنا الكلام فلن
نفيها حقها , ولكن بودنا أن نرد لها هذا الجميل , بالرد على
بعض ديدان الأدب الشائخة, الذين لا يتحملون سوى أسمائهم ممن
حاولوا عن حسد جاهلي التقليل من أهمية وقيمة عمل السيدة نازلي
من خلال التشهير بها , نقول لهم : تعالوا أيها السادة قوموا
بعمل جليل مثل عملها بإحياء شاعر أو كاتب أو فنان راحل يستحق
التقدير ولسوف نبجلكم أيما تبجيل , مهما كانت مكانتكم الأدبية
أو الأكاديمية صغيرة أو متواضعة , نحن لا يهمنا من تكون السيدة
نازلي إذا كانت سيدة مجتمع أو لها علاقة بالشعر أو لم تكن ,
المهم أنها أقدمت على عمل نبيل هو من صميم الأدب ومن تقاليد
النبلاء ممن تبنوا عظمائهم من خلال تخليد أعمالهم , وطالما
نازلي قد أدركت كل هذه المعاني فأنها أعلى بكثير من تجار
الكلمة , هذا مع العلم أننا وبصراحة لم نسمع بها إلا بعد وصول
كتابها إلينا فلم نمتلك شيء سوى رفع قبعاتنا تقديرا لها .
داريوس
داري - زاكروس عثمان
|