كان في نهاية كلّ رسالة يكتبها لحبيبته يبدأ بمساءلة
الرّسالة نفسها.
ـ هل تحبّني...؟
أجيبيني أيّتها المنسوخة من روحي، ألا يحزنك ما أنا وأنتِ
فيه أم بدأتِ لا تبالين بنفسك؟
ـ تأمّلني جيّداً، ستعلم كلّ شيءٍ، تهمس ذلك يصوتٍ مبحوحٍ
ثم تصمت وكأنّها تودّع شيئاً ما.
فيقوم هو بوضع كامل جسده على الرّقعة المكتوبة ويبدأ
بالتّجوال من أول شوارع الكتابة، فيلتقي بأوّل كلمةٍ،
يحضنها ويقبّلها، كلّ يتأمّل جمال الآخر ورائحة دموعٍ
غريبةٍ تزجّ كليهما، لحظات الوداع تسمم ما حوله من هواءٍ،
تتقشّر فيها كلّ أعماق الابتسامة، وتتخدّر كلّ الـ DNA
العاطفيّة ويبقيان بين أصابع الوجوديّة على أمل لقاء لا
نهائيٍ... كانت الكلمة الأولى " حيـاة " يغمض عينيه فتقتحم
مشارفه صور غيبيّة عن اللقاء بعد ثلاثة عشرة عصور، تبدّلت
فيها الآلهة وكل شيءٍ، فجأة يخبّأ تلك القدسيّة عندما يحسّ
بعيونه وهي تُضرب بأشياءٍ كالإبر والدّبابيس والمسامير
والسّكاكين، فيفتح عيونه ليرى تشوّه الكلمة الثانية
وسوادها القبيح السّاخط من كلّ وردة، فيشعر بخوفٍ عجيبٍ
وأرواحٍ تسقط من صدره فيهلع ويهرب وغيمة البكاء تلفّه
والأصوات تلتحف السّماوات " أنتظرك في خطوتك الرّابعة،
أمّا التالية فهذي ما أريد إنهائها " كانت الكلمة الثانية...
" عكسيّة الحياة ".
يبقى مستمرّاً في رحلته المظلمة أحياناً والملطّخة أحياناً
أخرى، حياة ثمّ لا حياة، ثمّ حياة من جديد ثمّ لا حياة
وهكذا يبقى منشطراً بين نسيمٍ ولهبٍ، ينكسر، يتمزّق، يحترق
ويُمحى شيئاَ فشيئاً، فيصل إلى أواسط الأعجوبة دون شيءٍ
يحسد عليه ليرى نفسه غائباً عن الوعي والصّفحات تسبح في
عرق عيونه وشفاهه وجبينه.
في غرفته المخفيّة وعلى أحد جدرانها المهترئة لشدّة حسنها
كان محفوراً " سنوات صمّاء كثيرة هوت إلى قمم السّفليّة في
النّهاية، كنتُ فيها باحثاً عن مكان لطوباويّتي التي
نشرتها وبكلّ فرح على الدّوائر الخمسة لثدي حبيبتي فيما
بعد، ابتسمت للابتعاد عن البعد، لاشتقاقاتي الذّاتية،
اعتنقت الجُّن بكلّ توزّعاتي، تفسّخت تشكّلاتي الفريدة
بجدارةٍ، بقيتُ دائم الدّعوة ليوجينيّة العواطف وأخيراً
انتهيت في بدايتي ".
كان كلّ شيءٍ بعد رحيلها في وحدانيّةٍ مطلقة، المقاعد
والنّوافذ والطّاولة وكلّ ما عليها تودّع هيئاتها وتبدأ
بلملمة ما كانت قد نسيت من نظراتٍ وأنفاسٍ وعطورٍ متحوّلة
لسلاسل تخنقه وتسيّره ليصبح كما الشّمس عندما كانت طفلة
نائمة في مهدها.
كان بعد فترةٍ من الإرباكات الهائلة في أعماقه ورأسه ودون
وعيٍ شاهداً قدميه الهزيلتين في ملتقى الطّريقين، تماماً
في أثر طفلة الصّباح، أدار ناظريه إلى جميع الجّهات آملاً
رؤيتها عسى أن تشاركه ضياعه، ناداها في أعماقه لكن دون
جدوى، أبت الصّدفة ورسائل الإحساس أن تأتي بها إليه، مرّت
حينها لحظات تجعّدت فيها ملامح أشخاصٍ كثيرين لأجله، أمه،
صديقه الذي تعاون هو الآخر مع حبيبته لتحنيطه، وصديقه
المغترب والمنتظر لقاءه وحبيبته دائماً، وطفلته الآتية في
المستقبل، وأخاه الذي أبقاه وحيداً مثله، وأشخاصٌ آخرون
كثيرون لم يكن قد رآهم أو أحسّ بهم قط، دندن لكلّ الملامح
" حبّي في سيرورةٍ لإيصالي إلى الإفناء " توقّف ومسح كلّها
من رموشه ثمّ خطى خطوةً للأمام ليخلق بها طفلة الصّباح في
أثره، همس لها وهو يصير ملتوياً لشدّة الإرهاق: هل
ستتابعني كي أُسمعك بقيّة الأقصوصة التي حيّرت أيادي الإله؟
بدا يخطو بتثاقل وهو يهذي عن حبيبته، أو يقول ما لم يكن
موجوداً أصلاً في صفحات الأقصوصة " كنت متلاشياً... لا بل
كانت هي، أو ربّما الوعي نفسه وأنا وهي، طلبت كلّ شيءٍ دون
أن تعني بجلوسها في مقابل الفراغ وبعدها عنّي والأيام التي
سبقت اللقاء، هل كانت خائفةً أم نادمةً على طاعة لحظة
اللقاء المخادعة؟.
حقّاً يا طفلة الصّباح لا أعلم ماذا كنت وماذا حدث، كلّ ما
أتذكّره هو ذهولي وجنوني وصمتي لجمال كلّ ما فيها، أتذكّر
أنّها غادرت وأنا أقول لها: لا تغادري عنكِ دونكِ.
غادرت وأجبرت الزّمان منذ تلك اللحظة على المغادرة دائماً،
ويتّمت المكان لتبدع وحدانيّة غير مألوفة القرون والنّعال،
طويلة، كبيرة ومشوّكة، تغرز أعماقها على الجّبال وفي كلّ
الأوقات... ".
فجأة كان ساقطاً تحت أضواء اليأس وطفلة الصّباح من فوق
رأسه تنظر إليه وهو يقول آخر كلماته: يا طفلة الصّباح، أنا
طفل الوجود، لا أتذكّر شيئاَ سوى أنني في كلّ لحظةٍ كنت
أقول لها آلاف المرّات في نفسي... أحبّـــك.
خاشع رشيد ( بيكَس رشيد ).