خاشع رشيد ( بيكَس رشيد ).
من مسائيات 2003
كان بعد إضرام النّار في الجّهات الستّ وجهته
الخاصّة، انطواء عن ترقّّطات صغيرةٍ مائلةٍ للبياض في حياته،
كانت لشرنقته الهجسيّة امتدادات فولاذيّةٍ تنصهر في أكواخ
الأمومة وهروب الحبيبة، يترسّب دائماً وبسلاسةٍ لأرجوانيّة
هويّته.
تلك الأنهار الزّعفرانيّة والسّهول الواسعة السميّة
وتلك التّلال الملثّمة تقف على أطلاله، تنقش على شهادته
الشّاهقة " غفوات، جري لتحت الأرض، بطاقات قبوريّة دمويّة،
سنابل بعدد الخيانات، صيحات معديّة سحيقة، باثولوجيّات، أنفس
مهزومة، أمّ باحثة عن ابنها الكرزماتيكي وحبيبة جعلت الكفن
شعرها والثأد دموعها ".
كان جالساً في إحدى المحطّات يترقّب القطارات
المارّة والمسافرين فيها، يتأمّل الأفواه والسّكك وصفّارات
الإنذار والحركة الهمجيّة، داهمته لحظات أوّل لقاءٍ وتلك
الصّواعق التي جعلته أهدافاً لها، ذلك الجنون المحيّر الذي
جعله يتبعثر باختلاجات سوداويّة، تلك الأسئلة التي شلّته
بوعودها المستقبليّة وتلك التقلّبات العمقيّة التي أرغمته
ليكون أحد المغلّفين في أعين النّهاية.
دقّّة وحيدة لومضات مكحّلة جعلت تواريخه تتصدّع
وتُمحى، وبعفويّةٍ متشرّبةٍ من الجّهالة الواقعيّة للحبّ بقي
صامتاً لأيّامٍ أبدعت فيها الأوراق فقرات سحاقيّات، لأيّامٍ
تعفّنت فيها طاعة الملائكة وانسكبت قارورة الثّمل على كلّ
أتربة العقلانيّة.
تمنّى لو لم تكن موجودةً، تمنّى لو كان خياله قد
أبقاها كالماضي صورةً مغبرة غامضةً محيطةً بالدّخان والضّباب
والرّوائح الطيّبة، مبتسمة له كما كلّ لحظات الخيال، تناديه
وتناجيه كي يستطيع أن يسقط بجسده المهترىء المتناسي من طابقه
الخامس فينهي نفسه وأمنيّته الأخيرة " الموت بعد آخر محبّيه "
لكن كما كلّ أمنياته كان يعلم أنّها سترشف كلّ توازنه. أصيب
بتأمّلٍ زائد عن النّاس جميعاً في فصوله الخريفيّة الدّائمة
وحزنه الكبير في كلّ ربيعٍ يسرد آهاته لصدر أمّه.
لم يستطع الحراك رغم كلّ الأصوات التي كانت تسحبه،
كان منشغلاً بإخراج أظافره المتوغّلة في أعماقه المكبّلة
بالويلات المخادعة، أمال رأسه نحو وجه صديقه الذي كان مصرّاً
على مضي مشوار يأس معه في الحياة منذ عمر السّادسة عشرة،
ليحاكما تقنيّات العواطف معاً، يتشاجران أحياناً ويحضنان
بعضهما على فراش جائع من الانتظار أحياناً أخرى.
لا تزال كلّ الشّوارع تعرف زوجيّة أقدامهما، كلّ
المقاعد والكؤوس والفناجين تعرف أحاديثهما، تعرفهم الأسرار
والخوف والجيوب الفارغة وتعرفهم معزوفات الصّمت وصلوات
الكتابة. حدّق في عيونه لوهلةٍ مبهمة ليرى السّوس والسّبل
المفقودة، فجأةً اقتحم صديقه ما كان يرتّبه الخيال ليهمس له:
ـ إنّها تحبّك، متأكّد أنا وسوف تثبت لك الآلهة، قال ذلك
مبتسماً له بكلّ جسده.
ـ أرجوك لا تبتسم، أنت وهي تجعلاني أشقّ السّماوات رغماً عنّي
عندما أرى شفاهكم تتلوّن بألوان من دمي.
كان ليتمكّن من تكويم أشتاته والمجازر التي كانت قد
أقدمت عليها نرجسيّة المدّ الدّائم على شطآنه، إدارة الأقلام
في العنق وإمرارها في الأحداق، كانت تراوده مشاهد فسيفسائيّة
لرقصات آلهة الشّمس على برزخ صدرها، يسخر من المشوّهين
وسفسطائيّات الذّات ويعجب من عواميد الأنفس كيف تعتقل الملقّبة
بالقامات السّياسية والرّؤوس القريبة من نقطة الانفجار.
تذكّر وهو جالس على كرسيٍّ هزيل وبالقرب من نافذة
غرفته تلك الليلة التي سامره فيها ذلك الكأس المرمي في
الشّارع، كيف كان يمتلئ بقطرات المطر عندما أحسّ حينها بصرخات
صفحاته كيف أنّ أسطرها كانت قد تبللت بدموعه بدلاً من الحبر
لتبدع قصيدة موسومة بـ " عندما تُدمع عيون حبيبتي " وتذكّر
ركضه مع حبيبته على درج مظلمٍ تقريباً عدا ضوء مصباحٍ صغيرٍ في
إحدى الطّوابق، كيف كانت تلهث لشدّة التّعب فتتوقّف للحظةٍ
واللوحة في داخله تنهم بنفسه ليطلب منها أن تمدّ يدها إليه،
لكن لم يفعل ذلك ليتحوّل بعدها إلى تماثيل محتفظة بتلك
الأمنية.
فجأةً تصاعدت منه كلمات تائهة ـ اللعنة على اليقظة
والنّوم معاً، أيّتها الفراش حقّاً أنت مطلقةٌ في الشّذوذ ـ
عندما وجد نفسه واقعاً من على كرسيّه وأوراقه تتطاير في سماء
الغرفة، نهض وبدأ بجمعها بعبثيّة متمرّدة على علاقته العميقة
مع الأوجه والألسن، حملها معه إلى سريره وهو ينظر إلى توأم
اللوحة التي كان قد أهداها لحبيبته والملصقة على الجدار
المجاور لرأسه ويقول لنفسه " كلّ الألوان في عيونها، وكلّها
رفضت بصماتك، وعندما بدأتَ تقتلعها دون رحمةٍ، توقّفت هي عن
المزاح، ووقفتَ أنت تحت أعلام أجزائك متوسّلاً فاقداً الحركة".
عندما كان قد انتهى من كلماته كانت عيونه في سفرٍ،
تبشّر بمعانقة أحلامٍ على أمواج شعر حبيبته، لم يكن لحقده
الدّائم لفراشه سبباً إلا لعشقه الخيالي وتقديسه لأحلامه، كان
دائماً يحصي أيّامه بلياليها التي كانت تخنقه بها، فيستيقظ
شاتماً الليالي العاقر، إلى أن يسعفه خيالها المتلوّع على
وسادته فتمسّد شفاهه وتلقي بالهبة على أوراق أرجوانيّته لتكبر
وتموت من أجله.
دون ترتيبٍ حمل أكوام أسئلته وبسطها على طرقات
حبيبته وبقي منتظراً مشاهدة السّلال و التوابيت...
.......................................................................