إن تشكل العائلة من الأب والأم ومن ثم الأولاد،
هو قانون اجتماعي اعتدنا عليه، وعلى أساسه
نظمنا كل علاقاتنا الاجتماعية مع أفراد
العائلة، فكل واحد منا يتصرف ضمن العائلة مع
الآخر على أساس توفر هذه العناصر الثلاثة وأما
أي خلل يصيب هذه التركيبة أو أي عنصر من هذه
العناصر، فإنه يؤدي إلى خلل في أسلوب تعامل
الواحد مع الآخر أو مع العناصر المستحدثة على
تركيبة هذه العائلة، ومن أهم الأمور التي تغير
وتؤثر على هذه العلاقات هو الزواج الثاني
والنواتج عن هذا الزواج كالأولاد والذين يدعون
من طرف الزوجة الأولى بأبناء الضرة تلك
التسمية التي تطلقها الزوجة الجديدة أيضا على
أبناء الزوجة الأولى.
ومن الملاحظ في معظم هذه الحالات تعرض هؤلاء
الأطفال إلى ظلم إحدى الأمهات التي تقاسمهم
البيت، وخاصة في حال وفاة إحدى الأمهات وبقاء
أبنائها تحت رحمة الضرة، ومن أكثر ما يجرح
الشعور ويطرح تساؤلا استنكاريا حول طبيعة هذا
الظرف المستجد هو طبيعة العلاقات التي يطرحها
هذا الظرف بين إحدى هذه النساء مع أبناء الضرة،
والأمثلة كثيرة على علاقات غير طبيعية بين
الضرة وأبناء ضرتها، وآخر حادثة أو حالة سمعنا
بها وأثارت حفيظتنا للكتابة عنها هي قصة إحدى
السيدات اللاتي تمارسن فعل الظلم بكل تفاصيله
على أبناء ضرتها وتحملهم ما أعانها الزمن على
ممارسته من ظلم بحقهم نتيجة وفاة أمهم.
تبدأ قصة هذه المرأة مع أبناء ضرتها بتفاصيل
غير قابلة لأن تسمى إلا على أنها أشد ما يدمى
له الضمير الإنساني، فهذه المرأة القابعة في
مدينة القحطانية الواقعة في أقصى الشمال
الشرقي من سوريا والمسماة بـ ( ب. ع ) تبدأ
بظلمها بحق هؤلاء الأطفال بتشغيلهم في السرقة
دون رحمة، فتحول كل انتباههم إلى الفعل السيئ
وتشغلهم عن مستقبلهم الحقيقي لتحيلهم إلى
مجرمين ولصوص يقبعون داخل السجون لتشوه كل
معالم إنسانيتهم، وما تواجد إحدى فتيات الضرة
والبالغة من العمر ستة عشرة عاما في السجن
بتهمة السرقة إلا أشد وأبلغ النتائج خطورة على
هؤلاء الأطفال الذين ليس لهم من ذنب إلا أنهم
ولدوا لأب تزوج للمرة الثانية، وتقاسموا السكن
دون إرادتهم مع زوجة أب ضعيف الشخصية، غير
قادر على تربيتهم بالشكل السليم، ووفق ما
يتطلبه العدل والحق في إنصاف هؤلاء الأطفال
الأبرياء.
إن اخذ الأب لدوره في هذه الحالة له من
الأهمية بمكان، فهذا الأب يجب أن يكون صمام
الأمان الذي يحمي أبنائه من ظلم الآخرين، وبغض
النظر عن درجة قرابة هذا الممارس لفعل الظلم،
أما إن كان الأب غير قادر على لعب هذا الدور
فإن الأطفال يتعرضون لأنواع مختلفة من
الانتهاكات التي تبعثر كل قدرة لهم على أن
يكونوا عناصر فاعلة في مجتمعهم، بل يصبحوا
عقبة أمام تطور وسلامة هذا المجتمع من الآفات
التي يخلقها أمثالهم ممن تعرضوا للظلم الذي
دفعهم لأن يكونوا تلك العناصر الهادمة لكافة
الأسس السليمة في بناء المجتمعات، لأن الإنسان
ليس إلا ناتجا، بكل صفاته، عن الأسس التي تربى
عليها منذ طفولته الأولى، وهذا النوع من
التربية القائمة على استغلال زوجة الأب لضعفهم
هو أهم عنصر قادر على أن يخلق منهم عناصر
قابلة للعمل بالاتجاه السلبي في حياتهم وحياة
الآخرين.
إن تحميل الطفولة نتائج سلوكياتنا السلبية ليس
أمرا قابلا لأن يكون موضع احترام، لأن ما
يتوجب علينا هو أن نحيد بالطفل عن كل ما نتصف
به من سلبيات وأن نبعده عن نتائج الخلافات
التي تنشأ بيننا نحن الكبار، فيجب أن لا يتحمل
الطفل تبعات هذه السلوكيات التي نتجت عن تربية
تلقيناها نحن أصلا، ومن المفترض أن نكون قد
أدركنا كل سلبياتها علينا، وبالتالي معرفة
مواضع الخلل فينا، ويجب حينها العمل قدر
المستطاع على إبعاد الطفل عن تأثيراتها.
إن ما تقوم به هذه المرأة غير أخلاقي على
الإطلاق، ويتوجب عليه العقاب بأشد أنواعه،
لأنها لا تحس بالأمانة التي بين يديها، وتلعب
بمصائر هؤلاء الأطفال الذين من الممكن إن
كبروا أن ينقلبوا عليها فيعاملوها بأسوأ مما
كانت تعاملهم وتسير قافلة الفعل وردة الفعل
بالمثل، كما هي عادة حياتنا الإنسانية القائمة
على هذا المبدأ، وهنا يقف المجتمع عاجزا إلى
حد ما عن القدرة على التدخل في تشكيل هذه
العلاقات وفق ما يناسب المصلحة العامة، لأن
هذه الأمور تسمى لدينا بالأمور العائلية رغم
أنها تشكل العنصر الأهم الذي تبدأ منه وتنتهي
إليه كافة السمات المميزة لأخلاقيات مجتمعنا
والإطار العام له، وهذا هو ما قامت به
المجتمعات المتقدمة وهو محاولة التدخل في بعض
الشؤون الداخلية في الأسرة كحماية المرأة من
اعتداء زوجها عليها و حماية أي عنصر من الأسرة
من ظلم الآخر، وبقينا نحن فقط، وبحكم عاداتنا
العشائرية، أسيري عدم القدرة على المساس بشؤون
الآخر، وإن كان هذا الشأن يؤثر فينا جميعا،
فكل واحد منا يقف وراءه ألف شخص من العشيرة
يحميه من الآخرين سواء كان الحق بيده أم لم
يكن.