حياة الشيخ أحمد القادري الأخضر الحسيني

المقدمة
الحمد لله رب العالمين ، سبحانه وتعالى لا نحصي
ثناء عليه كما أثنى على نفسه ، الذي أكرم أولياءه
في كتابه العظيم بقوله:
]
أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ
اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ
يَحْزَنُونَ[
[ يُونس :62].
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد
أن محمداً عبده ورسوله خير نبي اجتباه ورحمة
للعالمين أرسله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم
تسليما كثيرا .
أما بعد : فهذه الرسالة عن حياة أحد أولياء الله
الصالحين الذي لا يزال ذكره وسيرته إلى هذا الوقت
على ألسن الناس ولكن بشكل متفرق ، فأردت أن أجمع
المعلومات الصحيحة عن هذا الرجل وأقدمها للناس
ليتعرفوا عليه ويقتدوا به وبأعماله وبأقواله.
هو الشيخ الجليل العارف بالله أحمد القادري
الحسيني الملقب بالأخضر المولود في إحدى المدن
التركية أثناء الخلافة الإسلامية العثمانية .
مبتدئاً رسالتي هذه بلمحة عن العائلة القادرية
الحسينية التي ينتمي إليها الشيخ أحمد القادري من
حيث تنقلاتها وغير ذلك ، ثم عن ولادته ونشأته
وعلمه وعمله ورحلاته وسلوكه وإجازاته ، وعن صفاته
وميزاته وعن جهاده في سبيل الله .
وذكرت أهم الأماكن التي انتشرت بها دعوته وأهم
تلامذته .
واعتمدت في ذلك كله على الأخذ من أبناء الشيخ
أحمد القادري وبعض العلماء الذين عاصروه وسيمر كل
ما ذكرته في هذه الرسالة مفصلا ، وأرجو الله أن
ينفعنا بسيرة هذا الرجل وأن يكرمنا بما أكرم به
عباده المقربين وأن يحشرنا في زمرتهم في لواء
سيدنا محمد سيد الأولين والآخرين ، اللهم صل وسلم
وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين .
والله ولي التوفيق
لمحة عن العائلة القادرية الحسينية التي ينتسب
اليها الشيخ أحمد القادري :
العائلة القادرية الحسينية صاحبة النسب الشريف
الذي يصل بها إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم
عاشت هذه العائلة في مدينة ماردين وقراها التركية
منذ عصر قديم تحت ظل الخلافة الاسلامية العثمانية
، حيث كانت تلقى كل الاحترام من قبل الخلفاء
والولاة العثمانيين ، وبقيت معيشتهم وحياتهم على
هذا النحو إلى أن قامت الحرب العالمية الأولى عام
1914 م حيث شاركت بها الدولة العثمانية كحليفة
لألمانيا ضد انكلترا وفرنسا ، وعندما انتهت الحرب
العالمية الأولى بخسارة ألمانيا والدولة العثمانية
، أدت هذه الحرب الى تغيرات هامة في الدولة
العثمانية أهمها :
1-
خسارة الدولة العثمانية مستعمراتها العربية وعودة
حدودها إلى الأناضول .
2-
انقلاب الحكم من حكم إسلامي إلى حكم علماني تقوده
جماعة من الضباط العلمانيين على رأسهم مصطفى
أتاتورك
عدو الإسلام والمسلمين الأول .
حيث عمل مصطفى أتاتورك على إسقاط الحكم الإسلامي
والخلافة الإسلامية وقام بإعلان الجمهورية التركية
العلمانية ، ثم عمل على ملاحقة رجال الدين وإلقاء
القبض عليهم ، وعمل على إغلاق المدارس الدينية مما
أدى إلى هجرة العلماء والمشايخ وعدد كبير من
المسلمين إلى الدول العربية ، ومن الذين هاجروا
بسبب هذه
الكوارث العائلة القادرية التي كانت تعيش في
ماردين وما حولها ، حيث هاجروا إلى سورية لقربها
من مدينة ماردين ، فبعضهم قصد مدينة حران وبعضهم
قصد مدينة عامودا السوريتين وكان ذلك في العشرين
من هذا القرن .
حيث سكنت عائلة الشيخ أحمد القادري مدينة عامودا ،
وبدأ حياة جديدة هو وأقرباؤه فعملوا على بناء
البيوت ليعيشوا فيها هم وأولادهم ، وبدأ الرجال
يعملون بالزراعة وتربية الأغنام وغير ذلك معتمدين
على أنفسهم في تدبير معاشهم وحاجياتهم إلى أن أتى
العدو الفرنسي سنة 1925 م حيث بدأ بقصف المدن
السورية بالمدافع والطيران وكان من هذه المدن التي
قصفت مدينة عامودا ، وبسبب هذا القصف الذي أصيبت
به عامودا انتقل الشيخ أحمد القادري هو وعائلته
إلى دمشق في الثلاثينات وسكن منطقة الكلاسة
القريبة من الجامع الأموي حيث اشترى منزلاً فيها ،
وعاش هناك فترة من الزمن حيث التقى فيها بأكابر
العلماء والمشايخ وبقي فيها إلى أواخر الأربعينات
حيث عاد إلى عامودا وعمل على بناء بيته وتكيته
وبدأ حياة مستقرة مع عائلته إلى أن توفي سنة 1954
م في عامودا ودفن فيها .
نسبه :
هو السيد أحمد القادري الحسيني بن محمد القادري
الحسيني بن خلف بن الأمير المشهور عبد العلي
الحسيني القادري بن علي بن عبد الرحمن بن عبد الله
بن محمد بن زيد بن زين بن شريف بن سلامة بن غيث بن
غازي ابن قاسم الأعرج بن يحيى بن إسماعيل بن هاشم
بن عبد الله بن شريف بن عجلان بن علي بن محمد بن
جعفر ابن حسن بن عباس بن حسن بن حسين بن علي بن
محمد بن علي بن الإمام إسماعيل بن الإمام جعفر
الصادق ابن الإمام محمد الباقر بن الإمام علي زين
العابدين بن سيد الشهداء الإمام الحسين بن أمير
المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه زوج
البتول سيدة نساء أهل الجنة وبضعة المختار الطاهرة
سيدتنا فاطمة الزهراء بنت سيد الأولين والآخرين
سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
هذا هو النسب الشريف المتصل برسول الله صلى الله
عليه وسلم الذي قال فيه :(( كل سببٍ ونسبٍ منقطع
يوم القيامة إلا سببي ونسبي ))
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إني تارك
فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أحدهما أعظم
من الآخر ، كتاب الله حبلٌ ممدودٌ من السماء إلى
الأرض وعترتي أهل بيتي ولن يتفرقا حتى يردا علي
الحوض
فانظروا كيف تخلفوني فيهما )) اللهم ارزقنا محبتهم
والتمسك بهم واحشرنا في زمرتهم يوم القيامة .
ولادته ونشأته وسلوكه وتلقيه الإجازة بالطريقة
القادرية :
ولد الشيخ أحمد القادري في عام 1860 م في إحدى قرى
ماردين التركية وتسمى قرية دارا من أسرة كريمة
النسب من الأب والأم ، وعرفت هذه العائلة بالكرم
والجود والشجاعة وخدمة الناس .
وعمل والد الشيخ أحمد على تربية أولاده تربية
صحيحة ، فقام بوضع ولده الشيخ أحمد عند العلماء
ليتعلم منهم العلوم الشرعية والأدب والأخلاق ،
وتعلم الشيخ أحمد خلال فترة من الزمن أهم العلوم
الشرعية كالفقه والتفسير والتوحيد وغير ذلك من
العلوم .وتعرف الشيخ أحمد من صغره على أهل الصلاح
والسلوك فعمل على خدمتهم وصحبتهم والأخذ عنهم
فأعجب الشيخ أحمد بهؤلاء الرجال مما رأى عندهم من
صدقٍ وإخلاص وتواضع وافتقار لله تعالى فبدأ يتنقل
من شيخ إلى شيخ إلى أن وصل إلى الشيخ محمد القادري
شيخ الطريقة القادرية فأخذ منه السلوك وعلم التصوف
وقد عمل الشيخ محمد القادري على إدخال الشيخ أحمد
الخلوات المستمرة ، فكان لا يخرج من خلوة إلا وقد
دخل بغيرها وذلك لأن الخلوة تكسب المؤمن الصفاء
والمراقبة لله تعالى وهي توضح أن المسلم لا يكمل
إسلامه مهما كان متحلياً بالفضائل قائماً بألوان
العبادات ، حتى يجمع إلى ذلك ساعات من العزلة
والخلوة عن الناس يحاسب بها نفسه ويراقب الله
تعالى ويتفكر في مظاهر الكون وأيضاً يكتسب بالخلوة
التخلي عن الصفات الذميمة وتجعله متحليا بالصفات
الجميلة .
وهذا كله مستنبط من عمل النبي صلى الله عليه وسلم
حيث كان يختلي في غار حراء للعبادة والتفكر ،
وتعلم الشيخ أحمد القادري التربية والسلوك الصحيح
وقد أخذ إجازة من عند شيخه بهذه الطريقة لتكون له
سندا في حياته ولتلامذته من بعده .
وقد حدثني الشيخ سليم الحسيني أحد علماء محافظة
الحسكة :
أن الشيخ أحمد القادري كان يدخل الخلوات في كهوف
مدينة دارا ويبقى لأيام يذكر الله فيها ، وأنه
لازال يُعرف أحد الكهوف الذي كان يدخله الشيخ أحمد
من قبل أهالي مدينة دارا .
وهذا يدل على أن المجاهدة للنفس توصل إلى مرضاة
الله لقوله تعالى
]
وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا
لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ
لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ
[
إجازته في الطريقة القادرية :
لبس الخرقة القادرية الشيخ أحمد القادري عن شيخه
محمد القادري وهو عن الشيخ نور محمد البريفكاني
القادري عن الشيخ محمد نوري البريفكاني القادري عن
الشيخ القطب الجيلاني القاني نور الدين البريفكاني
القادري عن الشيخ محمود الجيلي الموصلي القادري عن
الشيخ أبي بكر الألوسي القادري عن الشيخ عثمان
القادري عن الشيخ يحيى القادري عن الشيخ حسام
الدين القادري عن الشيخ نور الدين القادري عن
الشيخ ولي الدين القادري عن الشيخ زين الدين
القادري عن الشيخ زين الدين القادري عن الشيخ شرف
الدين القادري عن الشيخ شمس الدين القادري عن
الشيخ محمد الهتاكي عن الشيخ عبد العزيز القادري
عن والده سلطان الأولياء والعارفين الشيخ عبد
القادر الجيلاني عن القاضي الشيخ أبو سعيد المبارك
المخزومي عن الشيخ علي الحكاري عن الشيخ أبو فرج
الطوسي عن الشيخ أبو بكر الشبلي عن الشيخ عبد
الواحد التميمي عن شيخ الطائفتين الشيخ الجنيد
البغدادي عن خاله الشيخ السري القسطي عن الشيخ
معروف الكرخي عن الشيخ داوود الطائي عن الشيخ حبيب
العجمي عن الشيخ التابعي الحسن البصري عن أمير
المؤمنين علي بن أبي طالب عخر الكائنات ونور
الموجودات سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
زواج الشيخ وأسرته وكسبه الدنيوي :
عندما تلقى الشيخ أحمد الإجازة من شيخه محمد
القادري بالطريقة القادرية أراد الشيخ محمد أن
يكرم ولده الشيخ أحمد القادري فزوجه ابنته السيدة
كلثومة ، وعاشا في مدينة دارا إلى آخر الخلافة
العثمانية ، ثم انتقلا إلى قرية عامودا وعاشا بها
، ورزقه الله سبحانه وتعالى منها بغلام سماه محمد
القادري على اسم شيخه الشيخ محمد القادري ،ودعا
الله أن يجعله من الصالحين وأن يكون على قدم شيخه
، ومن ثم تزوج بالسيدة غزالة وأكرمه الله بغلام
وبنات منها ، وسمى الغلام عبيد الله القادري وقد
عمل الشيخ أحمد القادري على تربية أولاده على ما
نصه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم : (( أدبوا
أولادكم على ثلاث خصال : حب نبيكم وحب أهل بيته
وعلى قراءة القرآن )). وكان يعمل الشيخ أحمد
القادري بالزراعة وتربية الأغنام معتمداً على نفسه
في تأمين حاجاته وحاجات أولاده ، وكان يحث أولاده
بالاعتماد على أنفسهم وأن لا ينظروا لما في أيدي
الناس ، وذلك لحديث الرجل الذي أتى إلى النبي صلى
الله عليه وسلم وقال له : (( يا رسول الله دلني
على عمل إذا فعلته أحبني الله وأحبني الناس ؟ فقال
صلى الله عليه وسلم : إزهد في الدنيا يحبك الله ،
وإزهد فيما عند الناس يُحبك الناس ))
وأيضاً الشيخ أحمد القادري تعين من قبل الحكومة
السورية أيام الرئيس هاشم الأتاسي
نقيباً للأشراف لمنطقة الجزيرة السورية وذلك
بمرسوم جمهوري ، ولكن الشيخ أحمد القادري وضع
شرطاً وهو أن لا يأخذ أجراً على هذا العمل الشريف
.
صفاته الخَلقية والخُلقية ومذهبه وعقيدته :
كان الشيخ أحمد القادري الحسيني ليس بالرجل الطويل
ولا القصير وإنما كان متوسط القامة ، وكان ملئ
الجسم ذا وجه جميل ولحية كثة وتظهر عليه هيبة أهل
البيت رضوان الله عليهم .
وعرف أنه دائماً كان يلبس اللفة الخضراء والعباءة
الخضراء في أكثر أوقاته ، لهذا سُمّي بالشيخ أحمد
الأخضر وعند الأكراد يُقال له : الشيخ أحمد
(الكسكي)أي الأخضر .
وحدثني الشيخ سليم الحسيني والشيخ عفيف الحسيني :
أن الشيخ أحمد القادري عُرف بالتواضع والكرم
المفرط وخدمة الناس وأنه كان محافظاً على الإقتداء
بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته
المعاشية وفي معاملته .وعُرف عنه أنه كان يسعى بأن
لا يترك سنة ولا أدباً ولا فعلاً ورد عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم إلا وأراد أن يقوم به ، وكان
يقول : محبة النبي صلى الله عليه وسلم لا تأتي
بالكلام وإنما بالاتباع الصحيح له . وكان الشيخ
أحمد القادري ناهجاً منهج رسول الله صلى الله عليه
وسلم في سلوكه وفي تربية التلاميذ ، حيث كان يعمل
على تعليمهم وحثّهم على التعلم قبل أن يدخلوا
الطريق .
وعُرف أنه كان آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر
ولا يخشى في الله لومة لائم .وحدثني الشيخ محمد
عبد القادر ابنه : أن الشيخ أحمد القادري كان
مجاهداً في سبيل الله أيام العدو الفرنسي حيث شارك
بالتصدي لهم هو وأبناء قرية عامودا وذلك في أول
الثلاثينات ، ولهذا الوقت الناس يذكرونه ويضربون
المثل بشجاعته وكرمه ومحبته للناس .وكان الشيخ
أحمد القادري متبعاً للمذهب الشافعي وكانت عقيدته
عقيدة أهل السنة والجماعة وهي العقيدة الأشعرية .
ميزات الشيخ أحمد القادري الذاتية في الجهاد :
شارك الشيخ أحمد القادري مع أبناء عامودا في
الجهاد ضد العدو الفرنسي في الثلاثينات ، وعندما
انتقل الشيخ أجمد إلى مدينة دمشق شارك أهلها
بالجهاد ضد العدو الفرنسي .حدثني الشيخ محمد
القادري أن والده الشيخ أحمد القادري كان يساعد
المجاهدين بإيصال المؤن لإخوانهم في فلسطين من
غذاء وسلاح وغير ذلك ، ليحصل على ثواب المجاهدين ،
ولكي يطبق حديث النبي صلى الله عليه وسلم : (( من
جهز غازياً في سبيل الله فقد غزا ، ومن خلف غازياً
في أهله بخير فقد غزا )) .
حياته
العلمية :
تلقى الشيخ أحمد القادري العلم من صغره على أيدي
العلماء في مدينة دارا ، بحيث تعلم الفقه الشافعي
وعلم التفسير والعقيدة ، وقرأ القرآن على أيدي
العلماء أيضاً ، وتعلم التصوف ومصطلحاته على أيدي
أهل الصلاح المشهود لهم ، وعُرف أنه لازم أكثر من
شيخ ليسلك على يديه قاصداً تربية نفسه ، ولكي يصل
إلى مرضاة الله ويتعلم كيف يصل العبد إلى مقام
الإحسان كما أنه اشتهر بعلم الأنساب حيث تعين
بالخمسينات من قبل رئيس الجمهورية هاشم الأتاسي
نقيباً للسادة الأشراف لمنطقة الجزيرة السورية في
محافظة الحسكة .
مشايخ الشيخ أحمد القادري وإجازاته
:
اشتهر الشيخ أحمد القادري الأخضر بالطريقة
القادرية التي تلقى أسرارها وخلواتها من شيخه
الشيخ محمد القادري حيث كان له الفتح بها .
1-
الشيخ عبد القهار البريفكاني .
2-
المجاهد الكبير الشيخ أحمد السنوسي .
3-
الشيخ أحمد الشمس خليفة العلامة الشيخ مصطفى ماء
العينين الحسني مؤلف كتاب [ نعت البدايات وتوصيف
النهايات ] .
4-
الشيخ يعقوب الحسني الكيلاني .
منهج الشيخ أحمد القادري في التربية وأهم تلامذته
:
سخر الشيخ أحمد القادري حياته في تعليم الناس
وتربية نفوسهم وتزكيتها ، حيث كان يعلمهم الأدب مع
الله سبحانه وتعالى ثم مع الناس ، ويعلمهم مكارم
الأخلاق وأن العبد مهما تقرب إلى الله بعبادته
وطاعته إذا لم يكن عنده أخلاق فلن يصل إلى مقام
العبودية الصحيح ، وذلك لحديث النبي صلى الله عليه
وسلم :
(( إن من خياركم أحسنكم أخلاقاً ))وقوله صلى الله
عليه وسلم : (( أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم
خلقاً وخياركم خياركم لنسائكم ))وكان الشيخ أحمد
القادري ناهجاً منهج الشيخ عبد القادر الجيلاني
وذلك بإعطاء الأوراد وإدخال المريد الخلوة ليُطهر
قلبه عن الشواغل التي تقطعه عن الله من حب المال
والجاه وغير ذلك .ومن هذه الخلوات التي كان يهتم
بها خلوة الأنفس السبعة التي نص عليها الشيخ عبد
القادر الجيلاني في كتابه " الفيوضات الربانية في
المآثر والأوراد القادرية التي تقسم إلى سبع مراحل
، وكل مرحلة من هذه المراحل لمجاهدة نفسٍ من هذه
الأنفس السبعة .فكان المريد عندما يدخل خلوة
الأنفس السبعة لا يخرج منها حتى ينهي المراحل
السبعة وذلك لينتهي من شرور نفسه ويزكيها استجابة
لقوله تعالى
]
وَنَفْسٍ وَمَا
سَوَّاهَا(7)فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا
وَتَقْوَاهَا(8)قَدْ أَفْلَحَ مَنْ
زَكَّاهَا(9)وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا(10)
[وهذا
يدل على أن الشيخ أحمد القادري كان اهتمامه بعلم
التصوف واندراجه به أكثر من اندراجه واهتمامه
بالعلوم الشرعية ، لكن الشيخ أحمد القادري كان
يعلم تلامذته بأن يتمسكوا بالكتاب والسنة ، وأن
العبد لا يصل إلى الله إذا لم يكن مطبقاً أوامر
الله سبحانه وتعالى وأوامر رسوله صلى الله عليه
وسلم .
ومن أهم تلامذته الذين أجازهم :
1-
الشيخ محمود الشقفة رحمه الله في حماة منطقة
الحاضر .
2-
الشيخ ياسين أبو كمال في دمشق منطقة ساروجة .
3-
الشيخ عبد الغني الأنصاري في ماردين .
4-
الشيخ محمد القادري ابنه الكبير .
5-
الشيخ عبيد الله القادري ابنه الثاني الذي أجازه
الشيخ محمد بأمر من والده .
حياته في دمشق واجتماعه بعلمائها وأوليائها
:
ذكرت في بداية هذه الرسالة أن الشيخ أحمد القادري
انتقل هو وعائلته من قرية عامودا في الثلاثينات
إثر الضغوط التي عانت منها قرية عامودا من قبل
العدو الفرنسي إلى مدينة دمشق ، حيث اشترى بيتاً
في منطقة الكلاسة المجاورة للجامع الأموي .حيث بدأ
الشيخ أحمد القادري بالتعرف على علمائها والأخذ
عنهم أمثال الشيخ بدر الدين الحسني رحمه الله
تعالى ، وحدثني ابنه الشيخ محمد القادري أن والده
كان يزور العلماء في دمشق وأكثرهم كانوا يزورونه
أمثال الشيخ أبو اليسر عابدين والشيخ محمد صالح
الفرفور والشيخ مكي الكتاني رئيس رابطة العلماء
الذي زاره في دمشق وفي عامودا في الخمسينات وأمثال
الشيخ علي الدقر والشيخ محمد الهاشمي والشيخ محمد
أمين كفتارو والشيخ محمد سعيد الحمزاوي نقيب أشراف
الشام والشيخ هاشم الخطيب خطيب الجامع الأموي
والشيخ ملا رمضان البوطي والشيخ أبو الخير
الميداني والشيخ إبراهيم الغلاييني مفتي قطنا
والشيخ محمد الحامد عالم حماه الذي زاره في عامودا
والشيخ محمد النبهاني والشيخ محمد العربي الفيروزي
الحسني أمين الفتوى في بيروت والشيخ أحمد الحارون
الذي كان يزوره كثيراً في الكلاسة .ومن العلماء
الذين اجتمع معهم في منطقة الجزيرة : الشيخ أحمد
الخزنوي والشيخ محمد صدقة المدني والشيخ إبراهيم
حقي والشيخ سعيد القرفي مفتي دير الزور ، وأخبرني
الشيخ محمد القادري أن والده الشيخ أحمد الأخضر
أخبره بأنه اجتمع في تركيا بالشيخ محمد أبو الهدى
الصيّادي .
كرامات الشيخ أحمد القادري
:
عُرف عن الشيخ أحمد القادري الكثير من الكرامات
التي يتداولها الناس على ألسنتهم ولكني أردت أن
أذكر بعضها :لقد أكرم الله سبحانه وتعالى الشيخ
أحمد القادري بالذهاب إلى الحج أكثر من مرة ، وفي
إحدى حجّاته عام 1919م حيث نزل هو ومن معه من
الحجاج في المدينة المنوّرة ، وفي ذلك الوقت وُجد
كثير من اللصوص الذين يسرقون الحجاج عندما ينتقلون
من المدينة إلى المنوّرة إلى مكة المكرمة ، فذهب
الشيخ أحمد القادري إلى خادم الحجرة الشريفة
المسؤول عن المدينة المنوّرة الشريف حسين وطلب منه
أن يؤمن للحجاج حرّاساً يحرسونهم في ذهابهم إلى
مكة المكرمة فوافق الشريف حسين على طلب الشيخ أحمد
القادري ، وأراد الشريف حسين أن يكرم الشيخ أحمد
القادري لما رأى منه من هيبةٍ وجلالٍ وتواضع ،
فكان إكرام الشريف حسين للشيخ أحمد القادري بأن
فتح الحجرة الشريفة التي دُفن فيها أحبُ خلق الله
سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، وأذن له بالدخول
إليها للزيارة ، وعندما أراد الشيخ أحمد القادري
الدخول إلى الحجرة الشريفة
أحضر له الشريف حسين لباساً جديداً وأمره بأن
يُغير ملابسه قبل الدخول وذلك تأدباً مع هذا
المكان الذي أجمع العلماء على أن التراب الذي ضم
جسد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم خيرٌ من بقاع
الأرض بأكملها.فدخل الشيخ أحمد القادري الحجرة
بصحبة أحد خُدام الحجرة الشريفة فسلم على رسول
الله صلى الله عليه وسلم وخاطبه :يا جدّي يا رسول
الله : أنا أحمد القادري الحسيني وعندي نسبٌ يصلني
بك وأحبُّ أن أتأكد من هذا النسب الطاهر أصحيحٌ
أني من أولادك أم لا ؟فخرج صوت من قبر رسول الله
صلى الله عليه وسلم يقول : أنت ولدي ومن كذَّب
عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار .فسمع الشيخ
أحمد القادري هذا الصوت هو والذي معه ، فخرج من
عند رسول الله صلى الله عليه وسلم مطمئناً لما سمع
ومتأكداً من صحة نسبه الطاهر .وهذه الحادثة إلى
هذا الوقت يتناقلها تلامذة الشيخ أحمد القادري
الذين يعيشون في المدينة المنوّرة وغيرها .ومن
كراماته : عندما زار بغداد بصحبة ولده الشيخ محمد
القادري عام 1937م حيث أراد الشيخ أحمد القادري
زيارة الشيخ معروف الكرخي فعندما وصلوا إلى المكان
الذي دُفن فيه أضاعوا المقام ، وإذا برجل أتى
نحوهما وتكلم مع الشيخ أحمد القادري وقاده إلى قبر
الشيخ معروف الكرخي وعندما وقف الشيخ أحمد القادري
وابنه الشيخ محمد القادري عند قبر الشيخ معروف
الكرخي اختفى الرجل ، فعندما رجعا من عند المقام
سأل الشيخ محمد القادري والده عن هذا الرجل الذي
كان معهما فقال له الشيخ أحمد القادري هذا هو
الشيخ معروف الكرخي قدس الله سره .
وفاة الشيخ أحمد القادري الحسيني :
بعد أن تعرفنا على حياة الشيخ ونشأته وصفاته
وتنقلاته من حيث أنه ولد في مدينة دارا وانتقل
منها إلى قرية عامودا ومن ثم انتقل إلى دمشق وعاش
فيها مدة من الزمن وتعرّف بها على علمائها وعلى
أهل الصلاح فيها وبعد هذه المدة أراد الشيخ أحمد
العودة إلى قرية عامودا ليبني بيته وتكيته بعد أن
هُدما من قبل العدو الفرنسي .فعاد الشيخ أحمد
القادري إلى عامودا فبنى بيته وتكيته وريثما انتهى
من هذا العمل مرض مرضاً عادياً ، فجلس في فراشه
ستة أيام وفي اليوم السابع انتقل إلى مجاورة
الرفيق الأعلى في يوم الخميس من شهر نيسان عام
1954م تاركاً خلفه أولاداً صالحين يدعون له ،
وتاركاً تكيته التي لازالت تستقبل الضيوف حتى الآن
، وتجمع الناس على ذكر الله ، ويأوي إليها طلاب
العلم من كافة المحافظات ، وتاركا خلفه سر الطريق
في تسليك الناس للوصول إلى الله سبحانه وتعالى .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إذا مات
ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية ، أو
علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له ))
آثار الشيخ أحمد القادري :
انتقل الشيخ أحمد القادري إلى مجاورة الرفيق
الأعلى وقد ترك خلفه آثاراً جلية ، ومن هذه الآثار
:التكية القادرية الموجودة الآن في عامودا التي
لازال يُقام بها حلق الذكر والعلم ، ولازال عابري
السبيل إلى هذا الوقت يأتون إليها ويجدون الطعام
والشراب والمعاملة الحسنة من قبل أبناء الشيخ أحمد
القادري وأحفاده ، وإلى هذا الوقت يدخلها السالكون
الجدد بقصد الخلوة فيها وذلك لاتساعها وكثرة غرفها
، وفي كل عام يجتمع الناس من كافة البلاد السورية
وغيرها من الدول العربية فيها ليحتفلوا بمولد رسول
الله صلى الله عليه وسلم ومولد الشيخ عبد القادر
الجيلاني ، ويصل عدد الحضور في هذا المولد إلى
خمسة آلاف شخص ، ويقوم أبناء الشيخ أحمد القادري
على تقديم الطعام والشراب وكافة ما يحتاجه الناس
في هذا المولد .ولازال أتباع الشيخ أحمد القادري
في بغداد وماردين ودارا والأناضول وغيرها من
البلاد يجمعون الناس على ذكر الله ناهجين منهج
الشيخ أحمد القادري في الطريقة القادرية . وقد
استلم الشيخ محمد القادري نقابة الأشراف من قبل
الدولة بمرسوم جمهوري بعد وفاة والده الشيخ أحمد
القادري ، واستلم ابنه الشيخ عبيد الله القادري
تربية السالكين وإدخالهم الخلوات كما كان يفعل
والده الشيخ أحمد القادري ، وفي مدينة عامودا إلى
هذا الوقت يذكرون الشيخ أحمد القادري ويضربون به
الأمثال بشجاعته وكرمه وتواضعه وخدمته للناس ، وله
الآن مقام يُزار من قبل الناس الموجودين في عامودا
وحولها ، ويُزار من قبل أتباعه وأحبابه رحمه الله
سبحانه وتعالى ونفعنا به وبكافة الأولياء
والصالحين .
أقوال الشيخ أحمد القادري :
1-
لا تهتموا بالكرامات والكشوفات ، لكن اهتموا
بالاستقامة على شرع الله وسنة نبيه رسول الله صلى
الله عليه وسلم .
2-
المؤمن إذا عمل بالطاعة الخالصة إلى الله سبحانه
وتعالى فإن هذا العمل يُغنيه عن النسب لقوله صلى
الله عليه وسلم : (( إن أولى الناس بي المتقون من
كانوا وحيث كانوا ))
3-
يجب أن تكون تقوى الرجل منسوبة إلى رسول الله صلى
الله عليه وسلم أكثر من غيره لأن الرجل المنسوب
إذا لم توجد عنده التقوى سيكون عليه عقوبتان :
عقوبة على عدم استقامته ، وعقوبة على عدم احترامه
لهذا النسب الذي فضله الله به عن غيره من الناس .
4-
إياكم والتكبر فإنه من صفات إبليس حيث قال له الله
سبحانه وتعالى
]
وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ
فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ
وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ[
5-
وكان يقول للمريد عندما يلقنه الذكر : يا ولدي أنا
والدك والعلماء والمشايخ أعمامك وتحترمهم ولاتنسى
من هو أبوك .
6-
لا تضعوا اليد فوق اليد أمامي لأن هذه الوقفة
شُرعت للوقوف بين يدي الله سبحانه وتعالى في
الصلاة ولاتجلسوا أمامي على الركب لأن هذه الجلسة
شرعت لإلقاء التحية على الله سبحانه وتعالى
والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم .
7-
يا ولدي طريقتنا على الكتاب والسنة ، يا ولدي
التصوف ليس بالقيل والقال وإنما هو جوع وسهرٌ
وملازمة الأعمال .
أقوال العلماء والمشايخ في الشيخ أحمد القادري :
الشيخ ولي الدين الفرفور : حدثني الشيخ الوالد
محمد صالح الفرفور أنه زار الشيخ أحمد القادري في
بيته في الكلاسة .
الشيخ سليم الحسيني أحد علماء الأكراد في محافظة
الحسكة قال : الشيخ أحمد القادري رجل عُرف بالكرم
والمروءة والفتوة والشجاعة وخدمة الناس والتلاميذ
الذين كانوا يتلقون التربية عنده ، ولا زال الناس
يضربون به المثل ويذكرونه بكل خير .
الشيخ عفيف الحسيني أحد علماء الأكراد في محافظة
الحسكة وله مؤلفات وكتب قال : الشيخ أحمد القادري
الأخضر رجلٌ لو أردنا أن نتكلم عنه وعن صفاته
وأخلاقه لما أعطيناه حقه لكن يكفي أن نقول إنه
رجلٌ مات جسداً وبقي ذكره بين الناس لم يمت ، وأنه
عرف بتواضعه وخدمته لغيره وعُرف واشتهر أنه من أهل
المجاهدات حيث أنه كان يدخل الخلوات في كهوف مدينة
دارا التركية ويبقى فيها الأيام الطوال والناس
يخافون أن يدخلوها نهاراً .
الخاتمة :
وبعد هذه السيرة العطرة من حياة الشيخ أحمد
القادري أرجو الله أن أكون قد وفقت في هذه الرسالة
وأرجوه أن ينفعنا بأوليائه وأحبابه وأصفيائه وأن
يمدنا بمدده لنكون خداماً للعلم الشرعي على النحو
الذي يريدنا أن نعمل به ، سبحانه وتعالى إنه على
ما يشاء قدير وبالإرادة جدير ، والحمد لله رب
العالمين .
والله ولي التوفيق
مخلف العلي القادري
سورية
يوجد
في هذا الموقع
السيرة كاملة للشيخ عبيد الله
وللمرحوم شيخ محمد غيره