"برو"
ملاح الأحلام والأملاح المعدنية
استطراد روائي من مخطوط بعنوان (خلاف المقصود ـ شامي كابور وشرميلا تاغور
ملاحم الغرام والانتقام على ضفاف الخابور)
ما أن شغّل
الآلة (فكتوريا الايطالية35 ملم)
ودبّت الدماء والحركة في
شرايين
الصور،
حتى احتج المتفرجون وهاجوا وماجوا، فمدّ رأسه من
كوة
قمرة العرض الصغيرة التي بمساحة كتاب قطع وسط، ونظر في الشاشة، فصعق من الدهشة.
لم يكن عَرَضاً
من أعراض السكوبوفيليا المعتادة بل كان حدثاً
يستحق الاحتجاج حقاً:
كان ابن مريم عليه الصلاة والسلام مقلوباً
على الشاشة!!
كبح آلة العرض على الفور ونزل (من وراء المقود)
وأنار الصالة،
وخرج ووقف على سدّة
"لوج"
العائلات وقال مخاطباً
المتفرجين الذين حاصوا حيصة حمر الوحش، كانوا في معظمهم من قوم ابن مريم: أيها
الأخوان الكرام... ما حدث غلط غير مقصود..
البكرات جاءتنا مقلوبة وهذا هو العرض الأول.. نرجو المعذرة
..اعذروا
تقصيرنا. تعالت الصرخات تندد بالكفران وتدعو بالويل والثبور وقنابل الأمور،
وقفوا على مقاعدهم وقفزوا عليها قفزاً
يريدون الوصول إلى
"برو"
كي (يقلبوه) ثم يصلبوه. بحّ صوت برو الهادئ بسرعة وسط اللغط والصياح:
ـ
أليس ابن مريم نبينا أيضاً
يا أخوان. كل مسلم هو مسيحي بالضرورة..؟!!.
اخترق الأب جورج جورجيس، ضيف العرض الأول إلى اللوج العائلي ووقف بجوار برو
ووصل في الوقت نفسه السيد فؤاد حشيشو، وهو من قوم ابن مريم، وواحد من أربعة
شركاء هم مالكو دار السينما: هدّأ فؤاد حنا حشيشو الغاضبين.. خطأ غير مقصود يا
أخوان. الأب جورج،
ضيف العرض الأول لوّح لهم بيده مهدئاً.
مؤكد
أنه
غير مقصود.
شرح برو:
ابن مريم عليه الصلاة والسلام ليس نبياً
عادياً،
انه نبي مركزي في الديانات السماوية الثلاث، الأحاديث النبوية الشريفة تَِعدُ
بعودته، سيكون خلاص البشرية على يديه، هو الذي سيقتل المسيح الدجال ويختم نهاية
الفلم. هو الآن مرفوع عند الله، انه حي حتى الآن؟!. انه نبي غير عادي. نبي
خارق، نبي سوبر.
برو،
كان قد حجّ إلى بيت الله الحرام بعد بلوغه الستين، رغم اعتقاده
أنه
أقلّ
ذنباً من يهوذا؟
لم يقتنع يوماً أنه
سيكون
أكثر
الناس عذاباً
يوم القيامة لأنّه
من المصوّرين،
فقد حاربه الملالي في بدايه رحلة ريشته في الألوان وسحنات النجوم الحزينة
والسعيدة، لكنّ
حركة الواقع انتصرت لبرو على الفتاوى.. العبارات التي ترحب بعودة الحاج إلى
البيت لا تزال طريّة
وغضة على ضلفتي
باب الدار،من اليمين والشمال:
حجاً
مبروراً
وسعياً
مشكوراً
من زار قبري
وجبت له شفاعتي
كانت هذه الأعراف قد انقرضت ..
الحجاج يعودون الآن من الديار المقدسة بصمت..
ماالذي أغراك بتخطيطها يابرو؟
ـ
كيف
أخططها
وأنا في الحج يا قرّة عيني، هل نسيت أن أخي محمود خطاط ورسام ياشيريكي؟.
أضاف: رسمت لابن مريم حوالي تسع أيقونات. هي موزعة الآن في كنائس العالم..
هاجر قوم ابن مريم وأخذوا
معهم ذخائرهم وذكرياتهم
وخلفوا خلفهم الأنقاض..
أخذوا
لوحاتي ومنحوتاتي...
أتعرف الفنان عمر حمدي؟
أهزّ له برأسي: الملّقب
بمالفا..
أسمع
به وأقرأ
عنه؟
هو من أبناء العمومة..
سافر وصار عالمياً،
وبقيت محلّياً أرسم
لوحات لشعلان ورهطه وأصارع الظلام.
كان برو ينسخ رسماً
للحسناء آشا باريخ في فلم "دوبدن"، الذي تقاسمت بطولته مع النجم ذي
الملامح الحزينة مانوج كومار، عندما وقفت أمامه حسناء لا تشبه آشا باريخ.
اقتربت وسألت:
ـ
هل تقدر أن تنسخ أيقونات كنسية؟
انتهى من ابتسامة آشا باريخ الحزينة في الفلم المأساوي الذي ينتهي بفراق
البطلين وموتهما كما في ملحمة ممو زين الكردية.. ومضى إلى كنيسة
الكاثوليك. كانت جورجيت في استقباله، دخل إلى الكنيسة. قالت: سترسم صورة لمار
يعقوب.
سأل
متحمسا:
أين الأصل؟
قالت: الأصل أكله الزمن..
سترسمه من خيالك.
بدأ برو الرسم،
وخلال ثلاث ساعات كان المار يعقوب منيراً
ويبتسم لرحمة الله، جاءت جورجيت ووقفت مبهورة أمام اللوحة. صفّرت
من الانبهار والاندهاش واقتربت من برو وشكرته، كان أول شكر من نوعه في حياة برو
التي لم تكفّ
عن التحليق حتى آخر عمره، شكرته تحت شاربه مباشرة، فثمل برو..
لم يكن يعلم أن نسبة الكحول مرتفعة في قُبَل العذراوات كل هذه الارتفاع. احمرَّ
من الخجل، فشكر المار يعقوب على هذه المنحة الكريمة المباركة، فزاد بريشته في
ضوء ابتسامته رحابة ونوراً
وفي هالته ضياء..
بعدها خرج الأب جورج جورجيوس في حلته السوداء وصافح برو شاكراً،
ثم مدّ يده له بمبلغ من المال،
وقال:
ـ
ألف ومايتان. هل تكفي؟
ذهل برو من المبلغ الكبير!!
كان يظن أنّ القبلة ثمن كاف ويزيد.
كان المبلغ يكفي لشراء سيارة دوزوتو موديل خمسين أو لشراء دارين لاحبتين. لكن
برو صرفها على أمه وأبيه ومزاجه وأصحابه وألوانه. بعدها تتالت الطلبات لرسوم
القديسين وأيقونات العذراء وابن مريم في كنائس البلدة وكنائس البلدات المجاورة.
لكن بدون مكافآت وثواب كثواب جورجيت العظيم الذي يجعل للمرء أجنحة وسماوات.
أتعرف يا شيريكي كيف رسمت مار يعقوب؟.. كان لمار يعقوب شفتا
مانوج كومار وفترة شامي كابور وشعر راجندر كومار وخدود شامي كابور وصدغي
بسواجيت وأنف
راجيش خانا
وخنّابة راج كابور..
قلت: ربما لهذا أعجبت به جورجيت.؟!
قال: نعم رسمت المار يعقوب نجماً
للنجوم.
سألته: هل نستطيع أن ندخل الكنيسة لنرى اللوحة؟
أشار إلى سبطانة بارودة روسية وراء أكياس الرمل!!!.
الكنيسة المهجورة تحولت إلى ثكنة بعد الأحداث الأخيرة مثل الكنائس الدارسة
الأخرى.
هاجر جلّ
قوم ابن مريم من البلد، الأرمن، الكاثوليك،
السريان.. بقي فيها عائلتان صغيرتان هما،عائلة جورجويس الفران المكوّنة
من ثلاثة
أفراد هم اأخوة
سعيد حنا بعد وفاة والديه.. سعيد كان زميل الابتدائية،
يجيد رقص الجيرك والاستجابة لأوامر النوم التي يصدرها شعلان ليبحر في الظلمات
مع إحدى المربيات الفاضلات. لو رحل فسيضطر أصحاب "الدمعة"
والمبحرين في كؤؤس الراح
إلى قطع ثلاثين فرسخاً
للحصول على دمع العنب المخمر أو المطبوخ...
أما العائلة الثانية فهي عائلة بحدي الذي يبيع الأحذية في شارع مال فاتورة.
تابعنا الجولة التي عمل فيها دليلاً
سياحيا للماضي المنصرم: هنا كان بيت جميل عازر المذيع في قناة الجزيرة، وهنا
بيت عائلة سنونو السناتور المعروف، هنا قتل الشرطةُ
الخنزير الذي أمسكت بيدي هاتين هلبه
القوي
الذي يشبه شعر ذيل الحصان.
لم يكن رساماً
وخطاطاً
ومشغِّلا
"اوبراتورا"،
فحسب، فهو فنان وممثل مسرحي أيضاً.
مثّل وأخرج
عدة مسرحيات كان
أشهرها
مسرحية "الحلاق المخادع" الكوميدية مع الممثل المصري نزار فؤاد وفيها كان برو
يدهن، في دور الحلاق، وجه "الضحية" سالار باللبن خطأ، ثم يلحسه فيضج الجمهور
بالضحك.
أخرج
ونفّذ عدة حفلات لفن مسرح العرائس. كان يقصّ
دمى من الورق ويحرِّكها
بيديه أمام فانوس ينعكس ضوؤه
من فتحتي علبة من صفائح الحلاوة. يتندر برو على رسم رسمه لجمال عبد الناصر في
زيارته الشهيرة في عام الوحدة إلى الشامقلي. كان رسماً
بالحجم الطبيعي نقله عن مجلة المصور المصرية، ثم طلب من النجار "سفر" قصّ
الرسم عن فائض الفراغ عن شخص الزعيم الأسمر، فبدا وكأنه جمال عبد الناصر الخالق
الناطق..
رسمها لصالح آل شوشان، فذهبوا بها إلى المطار في ملحمة الاستقبال،
والطريف أنّ من لم يصل إلى عبدالناصر، مضى إلى الرسم يقبله ويتصور معه، تعويضاً
عادلاً!!
أضاف: كان عبد الناصر فارساً
ياقرّة عيني.
قلت لامزاً:
تقصد تهديداته الصوتية برمي اليهود في البحر؟
ضحك: بل لأنه مات فقيرا،
ولم يوَّرِث...؟!
رسم بورتوريهات لنجوم وشخصيات كبيرة مثل نجاح سلام وسميرة وتوفيق ونزار فؤاد
ونجاح
سلام، وكذلك المواطن الأول شكري القوتلي الذي عملت له البلاد استقبالات حافلة
في زيارته المشهودة.
قال: كان القوتلي فارساً
يا قرّة عيني.
قلت: تقصد
أنه
مات فقيراً
مثل عبد الناصر؟
ضحك،
وحاول إشعال لفافته للمرة العاشرة،
وقال: لأن أعواد الثقاب في عهده كانت تشتعل بلمسة ولأن السيجارات لم تكن تنطفئ
بعد كل عبة.
قال: أما الأمير زايد فهو أفرس العرب المعاصرين.
نقطة آخر السطر.
كان برو قد زار الامارت مؤخراً، وعاد مبهوراً بعناق الحداثة والقدامة في صحراء
اخضّرت على يديه. دولة عربية بلا معتقلي رأي!
قال: رسمت له بورتوريه متطوعا.
سألت: أين اللوحة؟
قال: اختفت... نبشت الدار عنها فلم أجدها!
ربما كان سبب ضعف بصره سبباً في اختفاء اللوحة.
سألته:
هل كنت تعرف الفنان جان كارات والفنان يوسف عبد لكي؟
قال:
أعرف
أخاه
اسكندر كارات.. جان كان صبياً
وقتها،
ويتدرب عند اسكندر ويوسف عبدلكي كذلك.
تذكّر برو أول لافتة خطها..
كانت بخط الرقعة:
أهلاً
وسهلاً
برئيس بلدية داموعا الأستاذ عامر حاج صالح. علّقت اللافتة على باب البلدية. كان
عامر أول رئيس كردي لبلدية داموعا، وكان آخر كردي يتبوأ منصباً
(رفيعاً)
كهذا!! بعد حلول الاشتراكية،
أو بالأحرى بعد فرضها صارت المناصب محرمة على الأكراد الذين تجمع الأدبيات
أنهم
اكثر الإثنيات اشتراكية وأملاحاً
معدنية؟
قلت له:
أعتقد
أنك
كنت واقعاً
في غرام صبية شقراء تحمل مجلة كواكب مصورة وتتردّد
على السينما مثلنا؟
قال مستغرباً:
واخ واخ ..كنتم تعرفون بقصة حبي
مع
سميرة؟
قلت:
عندما يعرض الفلم نكون في الداخل وقبله وبعده نحوم حول السينما في شعيرة
الطواف.
الحقيقة هي التي وقعت بغرامي..م
ثلها مثل شاهيناز. جاءت في حفلة العصر في السينما الشتوية، طلبت تذكرة ودخلت..
كان برو يرسم ملصقاً
لفلم (آنا مانجلا).. الموزع كان يعطي كل مركز ملصقاً
واحداً،
وبرو كان يرسم ستة ملصقات متفرقة يوزعها
أحمدي
نوري في مراكز الحركة في البلدة..
وقفت صاحبة الكواكب تتأمل ريشته وهي ترسم خصلة جو ما كرجي النافرة، نصحها برو
أن تؤجل مشاهدة الفلم إلى الحفلة الليلية، حفلة العصر يحضرها الذكور الدبابير.
لا
توجد
عائلات الآن، سيكون منظرك ملفتاً
في السينما في حفلة العصر يا آنسة. لكنها وهي الغريبة الضيفة في البلدة،
لم تجد نفسها معنية بالعيب. كانت تشكو الوحدة والضجر،
ومتشوقة لمشاهدة الفلم، جاءت من العاصمة زائرة لتوليد وتمريض أختها الحامل،
زوجة قائد الشرطة.. شاهدت مناظر الفلم،
وهي
مقاطع
منتخبة
من الأفلام القادمة
الموعودة بالعرض (قريباً جداً)
ثم خرجت..
قالت لبرو الذي كان لا يزال يرسم في البهو: معك حق.. سأعود في الحفلة المسائية.
عادت في حفلة الساعة التاسعة، كان برو يساعد زملاءه فيقف على باب العائلات
ويعاون في تنظيم الزحام الذي يزداد إلى درجة الاستعانة بالشرطة في التنظيم.
اقترح برو على إدارة السينما أن يدخل المتفرجون إلى الصالة ثم تؤخذ منهم بطاقات
التذاكر
لتخفيف أزمة الدخول فوافقوا.
لمحها برو في الشارع فهبّ لها مرحباً،
قادها إلى مقعد قريب من قمرة العرض، مدّت
له كيساً
ورقياً.
تساءلت عيناه فقالت:
هدية لك؟
فتح الكيس.. كان به
مجلة
كواكب؟
قالت: ستجد رسالة في الداخل، لا تنسَ
أن ترد عليها.
فتح الرسالة.. كانت مستعرة بألفاظ الغرام والهيام والحب والنجوم والكواكب، فردّ
عليها برسالة لم تكن ببلاغة رسالة سميرة المنحولة من كتاب رسائل الغرام، كتب
عبارات قليلة حفظها من ترجمات الأشعار الأوردية في الأفلام الهندية عن الحب
والربيع والأزهار والوجد،
وحوّل
صفحة الجواب إلى لوحة مزينة بالنقوش والرسوم والنمنمات، ذهب إلى مكتبة جورج
عزيز وفتّش
في الكتب إلى أن اهتدى إلى رواية تحت ظلال الزيفون الموقعة بترجمة المنفلوطي
بتصرف. أضاف إليها مجلتي كواكب،
ثم رواية (فتاة غسان) لجرجي زيدان ووضعها في مغلف،
أهداها لها في حفلة اليوم التالي المسائية.
شاهدت سميرة ابنة العاصمة فلم
(ابنة
الهند) خمس مرات زائداً
أربع مرات زائداً
خمس مرات، وهي عدد الأيام التي عرض فيها الفلم في داموعا موزعة على فصل الصيف؟!
موزع الأفلام "صباح كارنتا" نفسه استغرب حب أهالي داموعا لهذا الفلم؟
ولم يجد له تفسيراً؟
ربما كان أحد الأسباب انه أول فلم هندي ملون؟..
نصح برو سميرة أن تتثاقل، حتى لا يظنّ
بها العالم الظنون،
فذكرته بفتوى المغني فريد الأطرش في أغنيته الشهيرة: ده الحب بين الناس الله
محللو؟
أردفت:
متى ستخطبني؟
ـ
وخطبتها يا برو؟
ـ
لم
أفعل،
كنت شاباً،
لم يؤد خدمة العلم بعد. هربت من حبي المبكر.. إلى العسكرية.
لكن تلك لم تكن الصبية الوحيدة في حياتي.
شاهيناز، كانت اجمل بكثير من سميرة لكنّها
كانت بلون واحد فقط هو الأسود، و " قطعة"، من
أجمل
النساء (عيونها اجمل من عيني كوندليزا رايس؟)،
يا قرّة عيني.
كانت ابنة بالتبني لقائد الشرطة التالي، أنفار الشرطة كانوا يدخلون السينما مع
عائلاتهم مجاناً،
كانت تأتي كل ليلة في حفلة التاسعة مساء، وهي وابن قائد الشرطة الصغير،
فتغمر برو بأمطار عينيها المتراقصة.
كلف بها برو ووجد نفسه مبلولاً
بأمطار عينيها المتراقصة،
صارحته بحبها بلا هدايا ورسائل ومجلة كواكب، فبادلها العواطف،
طلبت منه أن يخطبها رسمياً
من سيدتها،،
كان برو قد أدّى خدمة العلم وقتها،
ولا مانع من أن يفكّر
في الزواج،
ذهب برو مرتبكاً
فرحبت به السيدة "عناية" ترحيباً
كبيراً،
وأكّدت
له أن أنعام مثل ابنتها وأعزّ،
أحضرت صندوقاً
مزيناً
بالصدف وأغرت برو قائلة:
أنّ
كل هذه الحلي الثمينة لشاهيناز، ويشرّفها أن تكون حماته.
عاد برو إلى الدار وهو يضرب أخماساً
بأسداس، جمع وقسم وطرح واستشار أخويه وأهله واستخار ربه، فعرف أنّ
سواد شاهناز سيغدو نادرة النوادر في البلدة الحنطية. فاختلق عذراً
واعتذر،
فبكت شاهنياز ورحلت مع مخدومها إلى
"البرداسية"
البلدة المجاورة التي نُقل
إليها قائد الشرطة. بعد سنتين انتبه برو إلى أن امرأة منقّبة
ماشية على الجسر مع أخرى سافرة تناديه فلبى النداء، وقف أماهما مستغربا، قالت:
هل تعرفني؟
قال: كيف سأعرفك
وأنت منقبة يا سيدتي؟
خلعت البرقع..
صعق برو..
كانت شاهيناز وكان
وجههاً
محروقا: انفجر علي موقد الكاز..
انخرطت في بكاء ملتاع.
طمأنها برو: هو حرق سطحي وسيشفى وجهك ويعود إلى حسنه الساحر.
ولم يكن كذلك
عقّب
برو
متحسراً:
الحسناء السمراء انقلبت قلباً
يا شيريكي.
سألته: وديبو؟ أقصد
الأستاذ عز الدين،
أو(سكوب بالألوان)
كان عاشقا أيضاً؟مؤكد
أنه
كان واقعاً
في غرام إحدى عاشقات حلاوة الآلة فكتوريا؟
سألني: ألاحظته أيضاً؟
قال برو: نحن أيضا كنّا
نشكّ في
أنّه
يخوض قصة حب، رغم وقاره وتصرفاته العجيبة.
كان ديبو غريباً
بحق، بيده عصا تنتهي بمكنسة من ذيل ريشي مثل الكوميدي حسن فايق في الأفلام
المصرية. حانق على كل شيء ولو عاش إلى أيامنا لمات قهراً
من التلوث الكبير في البيئة والناس و..الانتخابات. كان يتعذّب
بشراء البيض من الشامقلي، يقطع ثلاثين فرسخاً
لشراء البيض،
لأن أهالي داموعا يلمسون البيض لتفحص حجمه؟
كان يتطيّر
من الآخرين الذين هم الجحيم. اكتشف سعير الآخرين ورمادهم قبل الفرنسي سارتر.
كان مولعاً
بالثياب الملونة، يرتدي غالباً
بنطلوناً
ليمونياً
على قميص
أخضر،
ألوان تهريجية مثل ألوان أزياء الكوميدي السنّيد
في الأفلام الهندية،
ومنه جاء لقبه الذي أطلقناه عليه، حصل على إجازة في اللغات الشرقية من أنقرة،
وهو اختصاص غريب في ذلك الوقت، شكّ موظفو السينما وارتابوا في إصراره المتواصل
ومواظبته على حجز المقعد الأخير في الصف الأخير في "لوج" الرجال،
أي قاب قوسين من لوج العائلات الذي يعلو صف لوج الرجال. لم يجرؤ أحد على سؤاله،
كان القوم في ذلك الزمن "غير الاشتراكي" يحترمون خصوصيات الآخرين، تجرأ رستم
أحد الشركاء الأربعة لدار السينما في أحد الأيام وهو يقطع التذكرة ويضع عليه
رقم المقعد الأخير: أستاذ عز الدين...
هل تسمح
لي بسؤال؟
ـ
تفضل؟
قال
رستم
بحذر:
ولكن أرجو أن لا يزعجك سؤالي..
فهو يتعلق بشؤونك
الخاصة؟
أثار فضول الأستاذ ديبو فهشّ بعصاه المريشة وقال: لا عليك؟
-
لمَ تصرّ على الجلوس في المقعد الأخير دوما؟
ضحك ديبو من سذاجة السؤال وقال: ببساطة لأنه المقعد الوحيد الذي يمكن أن تنجو
فيه من البصق المصحوب بالبزر!!
توفي ديبو..
دفن حسب وصيته بعيداً
في أرضه الزراعية، لا في المقبرة العامة، بعيداً
عن جثث الآخرين المتعفنة ورميمهم،
وربما كي يحشر أمة
وحده،
أمة ملونة بالليموني والأخضر؟
سألت:
هل تعرف يابرو أخبار صديقه الشيوعي ردوان؟
صفن برو: كان ردوان شيوعياً،
ثم تحوّل
عن الشيوعية إلى الحزب الحاكم، وقد سكر في أحد الأيام القريبة،
وهو عائد من
خمارة
سعيد جورجوس السادس، كان ردوان من المدمنين على أفلام الكاوبوي، إذا
كنت تذكر؟
توقف برو،
وأعاد
اشعال
لفافته
وعبَّ
عاصفة من لفافته: ارتكب فعلة نكراء، عاد في الفجر من حانة سعيد جورجوس التي كان
يسكر فيها مع ابن حليمة بائع النقل. وفي الطريق تصادفا مع المؤذن الجديد الأحدب
عبد الباقي.. كانا يدندنان في طريق العودة مترنحين بأغنية نانسي عجرم: أخاصمك،
آه
..
أسيبك،
لا...
نظر ردوان إلى المؤذن الجديد الذي يأخذ طريقه إلى الجامع في الفجر،
وقال لأبن حليمة: ما رأيك بهذا السوبر ستار؟
قال ابن حليمة الذي خطرت له فكرة شيطانية وجرّ صاحبه جراً
باتجاه الجامع.
لحقا به مترنحين إلى غرفة الآذان التي تحت المنارة العالية وأغلقا
الباب وراءهما.
شمّ عبد الباقي الأحدب
الذي لا يجاوز طوله أربعة أشبار رائحة اليانسون الحاد، لم يخطر له
أنهما
سكرانين. فهو لا يعرف أن منقوع اليانسون مسكر،
ويصعب عليه التفريق بين الخل والنبيذ.
امتشق ردوان سكيناً،
وقال:
ستؤذن؟
قال عبد الباقي الأحدب: لمَ السكين، هذا واجبي؟
أنتم
مستعجلون كل هذا القدر على الصلاة؟
عجيب أمركم؟
قال ردوان:ابن حليمة ستؤذن لديننا الجديد؟
وضع السكين على رقبة عبد الباقي وقال، غنِّ أغنية نانسي عجرم؟
لم يكن عبد الباقي قد سمع باسم المؤذن نانسي عجرم الذي ذكّره
بالعجور؟ لم يسمع أغان في حياته غير التي قد يسمعها في الشارع أو من بيوت
الجيران،أو في الأعراس التي تصله أصواتها في سماوات
الخابور
الصيفية
التي تتلوث بنهيق حناجر المطربين..
خاف من السكين فقال: بأسماء الله كلها لا
أعرف
...
قال ابن حليمة: سنلقّنك
نحن الأغنية.
كبس ردوان زر مكبر الصوت:
وقال له قل:
أخاصمك
آه.
فقال عبد الباقي مردداً
برطانة جافة خالية من لحن: أخاصمك اعععع
ردوان:
أسيبك
لااااا
فردد وراءه عبد الباقي برطانته الكردية العجماء مثل جوقة من صوت واحد:
أشيبيك
لاااااا
غنّى
عبد الباقي الأغنية كلها دون أن يفهم منها شيئاً...عبد
الباقي أميّ، من كان يتصور
أن
عبد الباقي سيصبح
مؤذناً،
صوته من أنكر الأصوات، وشكله يذكّر بكوزيمودو فكتور هوجو. وقد تعب كثيراً
حتى حفظ الآذان، وهو حتى الآن يقول في الآذان، حيّ على الصلاح بدلاً
من حيّ
على الصلاة،
ربما حتى تتسجع الجملة مع حيّ على الفلاح؟؟ كان أبوه الملا كرميتي المرحوم نديّ
الصوت كريم النداء، أذّن
في الجامع الكبير قرابة نصف قرن بصوته الشجي وتوفي...
قال الإمام
سيدايي تخوبي: رشحوا لنا مؤذناً،
أيها الاخوة المؤمنون.
فاقترح بعض المصلين اسم عبد الباقي؟
اعترض الإمام
سيدايي تخوبي: من عبد الباقي؟
قالوا: ابن الملا كرميتي..
استنكر
الإمام:
ولكن صوته منكر أيها الاخوة المؤمنون.
تشفّع له المصلون: هو ابن المؤذن المرحوم كرميتي، وتعرف أنّ عبد الباقي لا عمل
له، وسيسند أهله بالأجر الرمزي الذي ترصده وزارة الأوقاف للمؤذنين..
ونحن سنصقل صوته بسكر النبات وزلال البيض وبيض الذئب والتدريب. سكت الإمام
على مضض،
عندما تذكر بؤس عائلة كرميتي. فُسر الصمت على
أنه
موافقة. فدرّبه الأخوة
المؤمنون على الآذان وحفوا صوته بحجر سكر النبات ودهنوه بزلال البيض البلدي
.بعد تولي راجيف غاندي الإمامة في الهند في وراثة ديمقراطية لا تشوبها شائبة
تبعه عشاق الأفلام غير الهندية في تحويل كل المهن والوظائف إلى مهن ووظائف
وراثية لا تشوبها شائبة، فصار ابن المطرب مطرباً،
وابن رئيس نقابة محاربي طواحين الهواء رئيساً
للنقابة الطواحين، وابن وزير الهجوم (على الرعية) وزيرا
ًللهجوم
(على الرعية) وهكذا..
نقطة آخر السطر.
عمل برو رباناً
لأكثر
من 15 ألف رحلة على متن سينما الأحلام، يقيم الدنيا ويضجعها خلال ثلاثة عقود
متواصلة، يعتبر برو أن حريق السينما الشهير كان حادثاً،
أما المثقفون الكرد فيعتقدون أن وراءها مؤامرة..
عبد الإله الناشط السياسي،
في سوح الإنترنت وميادين الويب سايد يقول: لا نستطيع أن نجزم
أنه
حادث وقضاء وقدر من الله، ولا أن نجزم
أنه
بفعل فاعل..
لكنْ
بما أنّ
الأكراد مضطهدون ومحرومون من الأملاح المعدنية فسنستغلها سياسياً.
قال
برو:
الكثيرون يعتقدون أن الفلم الذي كان معروضاً
وقت الحريق هو فلم "جميلة بوحيرد"، والحق
أنه
كان فلم "شبح منتصف الليل"
الذي مثّل
فيه فريد شوقي وأمينة
رزق.
لم يتذكر برو جيداً
اسم الفلم الذي حدث فيه "الحريق " الصغير بعد عشر سنوات، لم يكن حريقاً،
إنما شرارات كهربية وحسب، هل حدثت تلك الشرارة في فلم "القطار" أم مع فلم
ذكريات الحبيب؟ جزم "شاكر" انه كان فلم " ذكريات الحبيب" لكنّ برو ظل متمسكاً
برأيه؟!.
ـ
كيف أنسى الفلم، أول فلم
أرسم
دعايته على
أرض
الشارع يا قرّة عيني.
كان أهالي داموعا يتطيّرون من السينما ويعشقونها في الوقت ذاته، انطلقت شرارة
من أعلى العمود الحديدي، القريب من "اللوج" في السينما الصيفية الذي يخصص نصفه
الأسفل للرجال وربعه الأعلى للعائلات،
فحدث هرج ومرج وقذف الرجال بأنفسهم من الطابق الثاني،
فكسر العتال ديغول قدمه،
رغم سقوطه على خيمة منصوبة بحذاء حائط السينما،
ولولت النساء وتحولت تنانيرهن إلى مظلات وهجمن على الباب ثم لحق بهم "ركاب"
الصالة، خلال لحظات صار الجميع في الخارج فباب السينما الصيفي كبير ويتسع لمرور
حصادة زراعية مع شفرتها مركّبة.
برو هو الوحيد الذي بقي في قمرة العرض، استمرت الكهرباء ضعيفة،
كان يحاول إصلاح الشريط المقطوع،
سمع قرعاً
قوياً
على الباب،
فخرج..
قال رئيس المخفر:
لا تزال هنا يا قرّة عيني؟
صرخ جيرال: حريق يا برو..
اخرج.
صعد برو الى السطح. كان السلك الكهربائي الموصل للكهرباء محلولاً
أو يكاد ويصدر شرارات متقطعة،
ثم انقطع كلياً،
فأظلم
الشارع، قال برو: عطل عادي، سنصلحه في لحظات: أرسلوا وراء يعقوب قس
إلياس.
يعقوب مدير محطة تحويل الكهرباء في داموعا والمتعاقد الشفوي مع أصحاب السينما
على إصلاح أعطالها الكهربائية،
مقابل دخول أهله وذويه مجاناً..
جاء يعقوب على دراجته النارية الحربية ذات الهودج الجانبي. نظر إلى العطل وقال:
خلال لحظات أصلحه؟ قائد الشرطة
أصدر
أمراً:
لا عرض اليوم، تصلحون العطل غداً.
هدّأ
برو قائد الشرطة:
إنه
عطل بسيط وسنصلحه خلال دقائق؟
أصرّ قائد الشرطة الخائف من مضاعفات محتملة؛
ذكريات الحريق القديم لا تزال تحوم في السماء،رغم
مرور خمس عشرة سنة: غدا تعرضون الفلم نفسه.
وخرج إلى باب السينما وفرّق المتفرجين المتزاحمين: احضروا غداً،
غداً
الدخول مجاني.
لم يكن العطل صغيراً،
فقد استغرق ساعتين، كان السلك ذائباً،
واضطر يعقوب إلى استبدال قسم كبير منه، أما متفرجو الأمس فقد
أحضروا
أقربائهم وذويهم الأبعدين،
تفرجت داموعا برمتها على فلم القطار؟
ـ
يا أخي
إنه
فلم ذكريات الحبيب وليس القطار؟
هل
تراهنْ
على كيلوين كباب؟
قال برو:
تعال نتحاكم إلى المهندس عمران؟
أفتى
عمران في القضية: لبرو الحق في الاشتباه في انّه
فلم القطار، ففي فلم ذكريات الحبيب مشهد قطار
أيضاً،
القطار خلط عليه الأمر. هو معذور يا أمم؟
جهّز الكباب، خسرت الرهان.
تكررت مرة ثانية ظاهرة الهرب من السينما خوفاً
من الحريق،
أهالي
داموعا عندهم رهاب "فوبيا" الحريق. حدث ذلك في السينما الشتوية
أيضا،
ثم
ظهر أنّ
سبب الهرب هو صوت حنفية هدرت بالماء فجأة.
أغلق
جيرالو الحنفية،
وعاد الهاربون إلى رشف عسل فكتوريا بأبصارهم.
مكانياً،
كان برو يحبّ
السينما الصيفية
أكثر
من الشتوية، لكن نقل العدة كان متعباً
ومكلفاً:
آلة العرض والمقاعد من
أجل
شهري الصيف غير مقنع.. قال تاج: ما رأيكم أن نجرّب قضاء هذه الصيفية في الصالة
الشتوية؟
قال برو: والحرَّ..الناس
ستحترق من الحرّ
يا قرّة عيني.
قال تاج: سنركّب
مرواح سقفية..
ست مرواح سقفية.
ارتاح فؤاد حشيشو ورستم الشريك الثالث للفكرة.
قال برو: أين نعلقها يا قرّة عيني؟
قال تاج: نحفر لها في السقف ثقوباً،
ونضع فيها كلابات
أو
حلقات حديدية.
وفعلاً،
تم حفر ستة
ثقوب حشرت فيها حلقات من قضبان حديدية "قطر ستة ميلي" وعلقت المراوح، يعقوب قس
إلياس
هو الذي مدّ لها أسلاك الكهرباء.
بعد تركيب المرواح،
عرض فلم يمثل فيه روبرت حسين،
وهو ممثل ذو
أصل
جزائري أو بربري، في آخر الفلم يختم الفلم بجملته التي صفق لها الجمهور الكردي
حتى احمرت راحاتهم: أنا ذاهب إلى جبال كردستان. فمدد العرض أسبوعاً
كاملاً
من
أجل
هذه الجملة الساحرة..
روبرت حسين صار مقدساً
بتلك الجملة التي قالها في الفلم؟
كان المتفرجون طوال مدة عرض الفلم يهمهمون محتجين؟ مابال روبرت حسين لا يعجبهم
اليوم؟
في منتصف الفلم تعالت صرخات الاحتجاج، خرج برو من القمرة: العرض سكوب
وبالألوان؟ ولا يوجد امرأة عارية،
يطالبون برو بتعرية نصفها الأسفل كالعادة؟
وروبرت ليس مقلوباً،
كما حدث مع ابن مريم عجل الله إسعافه القريب. فلماذا يحتجون؟
تتابعت الصرخات: برووو
كبح برو فكتوريا،
فصعد إليه واحد من المتفرجين الغاضبين: ألا تفسر لي وجود هذه العلكة السوداء
التي على ثيابي!!
فعلاً،
كان على ثيابه وثياب جميع المتفرجين خيوط من القطران والزفت؟ من أين هطلت، ماذا
فعل روبرت حسين؟
جيرالو كان أيضاً
يمسح القطران من صلعته؟ نظر إلى الأعلى؟
إنها المراوح يا برو؟
كانوا قد سدّوا الثقوب التي حفروها بالقطران والقار الأسود،
وقد ذابت مع جريان التيار الكهربائي وحرارته التي
صهرت
القار،
وتوزعت على أجنحة المراوح التي نثرتها على رؤوس المتفرجين مثل "غزل البنات".
أوقفوا المراوح..
ستحضرون عرضاً
مجانياً
آخر، نعتذر يا شباب. ازرعوها في ذقوننا.
قال عبد الحق: نغفر لكم إذا عوضتمونا بفلم هندي ويفضّل
أن يكون شام ورام.اشتقنا إليهما.
قال رستم: باكر نطلب فلما هندياً
من الموزع؟
أما
شام ورام فقد سافرا إلى إيران.
لم يستطع رستم تأمين فلم هندي إلا بعد ثلاثة أيام.
كان عنوانه" القصر" لديف
أناند؟
تمّ عرض الفلم مع تركيب شفاط هواء كبير،
أنزلت المراوح وسدّت
الثقوب بالأسمنت،
وحفرت حفرة بقطر برميل في
أسفل
الحائط القبلي، وركبت لها مروحة عمودية باستطاعة أربعة
أحصنة..
ركب للمروحة محرك كاتربيلر، لم يتمتع المتفرجون بالأغاني تلك الليلة،
في منتصف الفلم تعالى لغط وصراخ
النظارة،
طالبين إسكات المبردة الهادرة،
واسترداد حطاتهم وعقلهم وطرابيشهم؟
عندما انتهى الفصل الأول، أي البكرة الأولى، كان كاتربيلر
قد بادل بين القبعات والطرابيش على الرؤوس، وضع عمامة سالار فوق رأس جورج،
والبس طاقية فلمز لرأس كره بيت.
أحضرت ابنة برو التي تدرس في السنة الأولى أدب إنكليزي القهوة، سألته عن اسمها،
فخجلت وهربت..
قال برو: اسمها نوشاد.. سميّتها على اسم المطرب هندي موسيقار فلم شام ورام.
ـ
ولكن نوشاد مطرب وليس مطربة؟
قال: ولو.. أنت هندي،
وتعرف
أنه
يجوز تذكير الاسم وتأنيثه؟
أردف: اسم أخوها الأصغر رافي على اسم المطرب الهندي محمد رفيع، ولها أخوين
آخرين
أحمد
ومحمد.
خرج،
ليودعني على الباب فاصطدم
بي: إنها المياه البيضاء في عيني يا قرّة عيني.
مات أبي وهو يحلم أن يرى وجهي ولون عيني ويتفرس في وجهي.. مات وأنا أتحسر على
عجزي عن مداواة عينيه.. سأحاول تعويض عجزي القديم في استشفاء عيني جاري برو
ربان سفينة الاحلام..
كان لي معرفة قديمة مع طبيب وشاعر وفنان تشكيلي يعمل في طب العيون. خططت لتشفيع
أصدقائه المقربين في تحكيمه وإزالة المياه البيضاء عن قرّة عينه الرحيمة أو
تخفيض التكاليف وحسمها بنسبة مائة بالمائة على الأقل؟
فبرو كان يذوق الأمرين بعد كل ذلك المجد: مكسور الأجنحة.. ومقهوراً
من الظلام.